ما الذي تريده الإمارات العربية المتحدة؟

05 يونيو 2017

ما الذي تريده الإمارات العربية المتحدة؟

بقلم مهران كامروا

 

أصيب الجميع بالدهشة لمستوى الغضب ودرجة المرارة الموجهة إلى دولة قطر من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، على الرغم من كون المشاحنات الدبلوماسية في منطقة الشرق الأوسط أمراً عادياً، فعلى مدار السنوات، كان لمجلس التعاون الخليجي نصيب لا يستهان به من تلك النزاعات والخلافات. ولكن الأمر مختلف هذه المرة من حيث كثافة الجهود المبذولة لعزل قطر وتهميشها من قبل السعودية والإمارات، والسرعة التي تتطور من خلالها الأحداث واتساع نطاقها، فهي بالفعل تطورات صادمة.

بدأ الخلاف يوم الثالث والعشرين من مايو، ببيانات نسبت إلى أمير قطر الشيخ تميم يُزعم أنه أعرب فيها عن دعمه لإيران وحماس وحزب الله وإسرائيل. كما تدعي تلك المزاعم بأن الأمير قد تنبأ بأن الرئيس الأمريكي ترامب لن يصمد في سدة الحكم طويلا في واشنطن.

سارعت الحكومة القطرية إلى نفي تلك البيانات وإنكار أنها صدرت من الأساس وفسرت ذلك بأن موقع وكالة الأنباء الرسمية قد تعرض لعملية قرصنة واختراق، قام خلالها المخترقون بنشر أخبار كاذبة على الموقع. ولكن التكذيب والنفي القطري تم تجاهله من قبل الإعلام السعودي والإماراتي، الذي شن حملة شرسة من الانتقادات الشديدة لقطر وأميرها بدعوى مزعومة بأنه يخرج عن الإجماع الذي يحفظ وحدة مجلس التعاون الخليجي.

سرعان ما ازدادت الأزمة عمقاً بعد تعرض حساب البريد الإلكتروني الخاص بسفير دولة الإمارات لدى الولايات المتحدة يوسف العتيبة للاختراق أيضا. وهو ممثل دولة الإمارات في واشنطن منذ عام 2008، وقد بزغ نجمه وارتفع كأحد أكثر الدبلوماسيين نفوذاً في واشنطن خلال السنوات الأخيرة، وذاع سيطه ليصبح دبلوماسيا من المشاهير، فقد أضفى العتيبة على نفسه صفات الخبير العارف ببواطن الأمور والمقرب من الدائرة القوية لصنع القرار و مستشار محل ثقة في الشؤون الدولية خصوصاً ما يتعلق منها بأمور الشرق الأوسط داخل دوائر صنع السياسات الأمريكية.    

أظهرت رسائل البريد الإلكتروني المسربة من حسابه أنه، بالإضافة إلى الملايين التي أنفقها السفير بسخاء في الولايات المتحدة على الأنشطة الخيرية وأعمال الإحسان، فقد ذهبت مبالغ نقدية ضخمة من دولة الإمارات إلى عدد من مراكز الأبحاث الأمريكية بهدف تشويه صورة قطر وإيران وإظهارهما في إطار سلبي أمام الجمهور الأمريكي والعالمي.

في غضون أيام قليلة من اختراق حساب البريد الإلكتروني الخاص بالسفير العتيبة وتسريب رسائله، وهي الرسائل التي غطتها شبكة الجزيرة الإعلامية بتفاصيلها، اتخذت دول الإمارات والسعودية والبحرين سلسلة من الإجراءات القوية ضد قطر، وهذه تضمنت سحب سفرائها وطرد الدبلوماسيين القطريين من عواصمها، وإغلاق المجال الجوي أمام الخطوط القطرية، وطرد المقيمين والمواطنين القطريين من أراضيهم، كما أعلنت السعودية إغلاق المنفذ البري الحدودي بين البلدين.

لم يمض وقت طويل على تلك الخطوات قبل أن تتمكن الإمارات والسعودية من إقناع عدد من حلفائها باتباع نفس المسار. ففي غضون ساعات قليلة من إعلان الرياض وأبو ظبي أعلنت حكومات مصر والمالديف واليمن وليبيا ايضا قطع علاقاتها مع قطر واتخاذ إجراءات مماثلة ضدها.

السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا والذي يحتاج إلى إجابة شافية هو ما الذي يبرر كل هذه السرعة والقوة في الإجراءات التي اتخذتها السعودية والإمارات؟ على الأقل من حيث المظهر كان يبدو أن العلاقات بين الدوحة وجيرانها كانت قد تحسنت بدرجة كبيرة بعد عام 2014 والتي توجتها زيارة رسمية للعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز للدوحة في ديسمبر 2016.

إذا ما أخذنا في الاعتبار تسارع تلك الأحداث وندرة المعلومات الموثوقة فيما تم الاعتماد عليه عليها كمبرر، يصبح من الصعب التكهن بحقيقة ما يحدث، ويصبح من الاصعب إيجاد مبررات لما يحدث. ولكن على أي حال، فيما يلي بعض الأفكار التي قد تساعد على ذلك:

أولا، الجهود الأخيرة للضغط على قطر تأتي من دولة الإمارات العربية المتحدة في المقام الأول مع قيام السعودية بدور مساند، ولكنه يظل دورا بالغ الأهمية والتأثير.

لطالما كانت الإمارات تنظر إلى قطر كأكبر منافس إقليمي مباشر لها فيما يتعلق بالاستثمارات. ولكن الاختلافات بين البلدين الصغيرين أعمق وأكثر تجذراً من كونها مجرد منافسة في التجارة الدولية والاستثمارات. فعلى الرغم من معارضة البلدين للحريات المدنية والسياسية، فإن الدولة في قطر لطالما سعت إلى تفضيل إنتقاء من يميلون لمعارضتها للالتحاق بجهازها الرسمي، بما في ذلك الإسلاميين. بينما اتخذت دولة الإمارات موقفاً مناقضاً تماماً من ذلك حيث اختارت أسلوبا أكثر مواجهة وصدامية مع المعارضين المحليين، وغالبا ما تقوم باعتقال وسجن المشتبه بانتمائهم لتيارات إسلامية.

وبنفس الأسلوب، اتبعت الدولتان منهجاً مختلفاً تماماً فيما يتعلق بسياستها الخارجية. فبالنسبة لكلا البلدين، قطر والإمارات، تعتبر السياسة الخارجية امتدادا لأمن الدولة ويتم ربطها بمنطق بقاء النظام. ولكن كلتا الدولتين تتبع أساليب مختلفة تماما في علاقاتها الدولية، فالإمارات اختارت ركوب الموجة والسير في تيار الولايات المتحدة، لتضع نفسها بقوة تحت حماية المظلة الأمنية الأمريكية. وعلاوة على ذلك، تبنت ايضا سياسة خارجية تنحاز بشدة للمصالح الأمريكية سواء في المنطقة أو في أنحاء العالم.

عملياً، أصبح هذا التقارب الوثيق بين المصالح الأمريكية والسياسة الإماراتية يعني أن أصدقاء أمريكا وأعداؤها هم أيضا أصدقاء الإمارات وأعداؤها. وقيام السفير العتيبة باستغلال نفوذه في واشنطن هو أمر يتماشى تماما مع منظور بلاده لسياستها الخارجية ونوع العلاقات التي تسعى دولة الإمارات لصياغتها وتعميقها مع الحارس الأمريكي.

كذلك وضعت قطر نفسها تحت حماية المظلة الأمنية للولايات المتحدة. ولكن بدلا من تطويع تفاصيل أهداف سياستها الخارجية ومصالحها مع تلك الخاصة بالولايات المتحدة، سعت إلى الحفاظ على خطوط اتصال مفتوحة مع أكبر عدد ممكن من اللاعبين، رغم أنها لا تتفق معهم جميعا ولا تنسجم معهم طوال الوقت. يخفض هذا النهج في السياسة الخارجية الخصوم المحتملين إلى أدنى حد ممكن ويمّكن قطر من الاستفادة لأقصى درجة ممكنة من وضعها الاستراتيجي كموصل حرج وهام للمعلومات والتواصل بين اللاعبين ، وهو أمر لم يكن يتسنى لها  القيام به من خلال أسلوب آخر.

ولكن استراتيجية قطر لتقليل المخاطر لم تخلو من النواقص والسلبيات. فمن حيث المبدأ، يعتبر استمرار قطر في علاقتها مع لاعبين مثل حماس أو الإخوان المسلمين أو إيران بمثابة خيانة من وجهة نظر السعودية والإمارات أو حتى الولايات المتحدة. فأسلوب قطر لاينظر اليه باعتباره وسيلة لتخفيض العداوات إلى أدنى حد ممكن وزيادة القيمة الاستراتيجية لها إلى أقصى حد ممكن، بل ينظر إليها كخيانة للروابط الأخوية وكخداع ومراوغة عميقة.

ومع وقوف السعودية إلى جانبها، وغالبا وقوف الولايات المتحدة أيضا في صفها، رأت الإمارات في زيارة الرئيس الأمريكي ترامب للسعودية فرصة سانحة لممارسة ضغوط من أجل تدعيم الروابط وتعزيز العلاقات مع واشنطن، وفي نفس الوقت تحجيم ما تراه سياسة خارجية منشقة تمارسها قطر. وبالتحديد، فإن حسابات الإمارات تشير إلى أن استمرار الضغوط القوية بدرجة غير مسبوقة ستؤدي إلى تراجع قطر وحصول الإمارات وحليفتها السعودية على تنازلات رئيسية. وهذه قد تتضمن، أولا، الابتعاد عن إيران، والإخوان المسلمين، وحماس وكبح جماح مصدر الإزعاج المزمن في المنطقة وهي قناة الجزيرة الإخبارية.

ولكن هناك جائزة أكبر يسعى إليها الاماراتيون، وهي القاعدة الأمريكية في قطر. فكما كشفت الرسائل الالكترونية المسربة، فإن حكومة الإمارات تمارس ضغوطا على المسؤولين الأمريكيين منذ سنوات لنقل أكبر قاعدة جوية متقدمة لهم من قطر، التي تعتبر غير جديرة بالثقة من وجهة نظرهم، إلى الإمارات التي تعتبر الصديق الحقيقي لواشنطن.

ومنذ بدء الحرب في اليمن التي تقودها السعودية، شاركت القوات الإماراتية في صدارة القوات المتحالفة في المعارك ضد الحوثيين. ومن خلال هذه المشاركات، اكتسبت الإمارات تجربة عملية وعرفت المذاق الحقيقي للمغامرات العسكرية . وبعد شعورها بالقوة، بفضل ما اشترته من معدات عسكرية أمريكية متطورة تكلفت مليارات الدولارات، أصبحت الإمارات، التي تفتخر بإطلاق لقب "سبارتا الصغيرة" على نفسها، مهتمة باكتساب المزيد من مظاهر القوة.

الأمر ليس مجرد الرغبة في اكتساب مظاهر القوة في حد ذاتها، فإن استضافة قاعدة عسكرية أمريكية سيجعل من دولة الإمارات تبدو غير قابلة للمساس، أي ما يعادل الوضع الذي تتمتع به قطر في الوقت الحالي. وفي هذه الحالة ستتمكن أبو ظبي من طرح قضيتها القديمة ضد طهران التي تراها الإمارات احتلالاً إيرانياً غير شرعي لثلاث من الجزر المتنازع عليها في الخليج وهي أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى.

الضغوط الإماراتية الشاملة على الملعب ضد قطر ليست فقط بسبب إيران. فعلى المدى القصير، يأمل الإماراتيون في اكتساب ميزة استراتيجية في المنطقة من خلال استضافة القاعدة الامريكية الثمينة على أراضيهم. وعلاوة على ذلك يرغمون القطريين على الركوع ويجبرون الدوحة على التخلي عن أسلوبها في ممارسة السياسة الخارجية التي لاتوافق عليها الإمارات. على المدى البعيد، ترغب أبو ظبي في السيطرة والسيادة على الجزر التي تسيطر عليها إيران حاليا. وأفضل سبيل لتحقيق ذلك هو تشكيل تحالف عسكري أقوى مع الولايات المتحدة.

سيكشف الزمن عما إذا كانت الإمارات ستتمكن من تحقيق أهدافها الطموحة.

 

مهران كامروا هو أستاذ دراسات الشرق الأوسط بجامعة جورجتاون في قطر ومدير مركز الدراسات الدولية والإقليمية التابع للجامعة.