ممنوع الدخول: حظر دول الحصار للسفن القطرية

قطعت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر، في 5 يونيو 2017، علاقاتها الدبلوماسية مع قطر، وفرضت عليها حصارًا، وانبرت من فورها إلى إغلاق جميع المنافذ المؤدية إلى قطر، مع فرض حظر على حركة النقل الجوي والبحري والبري من قطر وإليها. واستُند في هذه الإجراءات العقابية إلى مزاعم بأن قطر تدعم الإرهاب، وهو ما نفته قطر، واتُّخذت تلك المزاعم أداة للضغط على قطر حتى تمتثل لقائمة من المطالب لإنهاء الحصار رفضتها قطر.

دُعيت منى المرزوقي، أستاذة القانون البحري والتجاري المساعدة في كلية القانون بجامعة قطر، لكي تدلي بدلوها في البحث حول هذا الموضوع في مركز الدراسات الدولية والإقليمية في 17 أكتوبر 2018. وكان عرضها يتعلق بـ"حظر" دول الحصار للسفن القطرية، وعلى وجه التحديد مدى مشروعية ذلك الحظر. ودرست المرزوقي هذا الوجه الفريد من وجوه أزمة الخليج على ضوء القوانين البحرية، وبحثت في مدى موافقة الحصار لمبادئ القوانين والاتفاقيات الدولية.

هناك العديد من القوانين التي تنظّم التجارة البحرية. واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عبارة عن مجموعة من القوانين والأعراف والاتفاقات التي تسري على جميع الدول، وتنظم كيفية تفاعلها في المسائل البحرية. وينظر قانون البحار في الأنشطة والأحداث المتعلقة بالبحار، التي تسري، مثلاً، على شركات الشحن وعملائها وموظفيها.

وقد منع الحصار جميعَ السفن التي تملكها الحكومة القطرية أو يملكها مواطنون قطريون من دخول موانئ الدول المحاصرة. والواقع أنه مُنعت من الوصول إلى موانئ دول الحصار في الأسابيع الأولى من النزاع سفنٌ تملكها دول أخرى كانت متجهة إلى قطر أو قادمة منها. لكن وزير المواصلات والاتصالات القطري، تقول المرزوقي، قدّم شكوى إلى المنظمة البحرية الدولية طلب فيها أن يؤذَن للسفن الأجنبية والقطرية بدخول هذه الموانئ. ونتيجة لذلك، سُمح للسفن الأجنبية بالوصول إلى موانئ السعودية والإمارات والبحرين، في حين بقي الحظر ساريًا على السفن القطرية.

وألمحت المرزوقي، في معرض تحليلها لتأثير الحصار، إلى أن قطر كانت تستورد السلع بانتظام من دول الحصار -مثل الأغذية والمنتجات الصيدلانية وغيرها من الضروريات اليومية- ولكن لم يعد بإمكانها الوصول إليها. وأوضحت أن السفن لا ترسو في هذه المنافذ فقط للتزود بالوقود وإصلاح الأعطال، بل ترسو فيها أيضًا لأسباب إنسانية، مثل المساعدة الطبية أو صيانة السفن. لذلك هناك العديد من جوانب التجارة التي تتأثر بحظر الشحن.

وتناولت المرزوقي بالبحث القواعد الدولية المعمول بها لبيان أيها ينطبق على الحصار. وقالت: "هناك قواعد في الاتفاقيات البحرية، والاتفاقيات التجارية، وكذلك في مبادئ القانون الدولي قد تكون قابلة للتطبيق". وينظّم قانون البحار حق الدول الساحلية في اتخاذ بعض التدابير ضد السفن الأجنبية. ومن حقوق السفن التي ترفع أعلامًا أجنبية حق "المرور البريء" إلى المياه الإقليمية للدول الأجنبية. وأوضحت أن من حق أي سفينة، أيًّا كانت جنسيتها، أن تدخل مياه دولة أجنبية أخرى. ولكن لا يُسمح، في حالة قطر الراهنة، لأي سفينة قطرية بالدخول إلى مياه دول الحصار -ناهيك عن أن تُمنح مرورًا آمنًا. وبيّنت أن مصطلح "المرور البريء" يعني أنه يمكن للسفن أن تمر عبر المياه دون خرق أي قوانين أو إلحاق أي أذى، "والسفن القطرية محرومة الآن من هذا الحق".

 "الإجراءات المتخذة ضد دولة قطر في واقع الأمر غير مبرّرة ومُفرطة وتعسفية ومشينة".

وهناك معاهدة أخرى تنطبق على هذه الحالة، هي اتفاقية النظام الدولي للموانئ البحرية لعام 1923، التي لا تزال سارية حتى الآن. وتلزم هذه الاتفاقية الدول الأطراف فيها بفتح موانئها للدول الأخرى؛ ومع ذلك، ليس من بين دول الحصار دولة واحدة موقّعة على هذه الاتفاقية، بما في ذلك قطر. وبالتالي، فإن هذه الاتفاقية لها "تأثير إقناعي" فقط على الدول، لكنها جزء من القانون الدولي العُرفي. وقالت المرزوقي إن الدول جميعًا ملزَمة بتطبيق القواعد المنصوص عليها في هذه الاتفاقية، وبالتالي "يجب ألا تمنع الدولُ الوصول إلى الموانئ".

ومن أهم الاتفاقيات الدولية الاتفاقيةُ العامة للتعرفة الجمركية والتجارة (الجات) لعام 1994، التي تنظّم التجارة بين الدول وتشجع مبادئها الدول على اعتماد سياسات التجارة الحرة وإزالة الحواجز التي تعترض التجارة. وتخرق دولُ الحصار مبادئ التجارة الحرة من خلال تعليق الملاحة البحرية من قطر وإليها وإعاقة التجارة معها. وأشارت المرزوقي إلى استثناء واحد لهذه القواعد: يُسمح للدول، إذا كانت في حاجة إلى حماية مصالح أمنها القومي، بأن تلجأ إلى هذه التدابير. وهذا الأمر يثير مسألة ما إذا كانت قطر تمثل تهديدًا كافيًا للأمن القومي يستحق ردًا مثل الحصار.

 وقالت المرزوقي، بناءً على بحثها، إن هذه المزاعم المتعلقة بتهديدات الأمن القومي "لا أساس لها، وبالتالي فإن الحصار ليس ردًا قانونيًا"، لأن دول الحصار عجزت أن تقدّم أيَّ دليل ملموس يعزّز مزاعم تهديد قطر للأمن أو ممارستها للإرهاب. وردًا على ذلك، رفعت قطر دعاوى أمام منظمات دولية، مثل محكمة العدل الدولية. وجادلت المرزوقي بأن القضية ضد قطر لا تفي بالاستثناء الأمني ​​للقواعد المعمول بها، وبالتالي، فإن "الإجراءات المتخذة ضد دولة قطر في واقع الأمر غير مبرّرة ومُفرطة وتعسفية ومشينة".

وتحثّ مبادئ القانون الدولي الدولَ على العمل سويّةً لإيجاد حلول لأزمات من هذا القبيل. وألمحت المرزوقي إلى أن الحصار المفروض على قطر "مشكلةٌ سياسيةٌ تترتب عليها عواقب قانونية". وقالت إنه لا توجد هيئة دولية، باستثناء محكمة العدل الدولية، تتمتع بسلطة فرض قرارات ملزمة على الدول لوقف الأعمال التي لا تتفق مع القانون الدولي. ومع ذلك، "لا ترغب دول الحصار في حل المشكلة بالوسائل الوديّة أو بالوسائل القضائية". وأضافت بأن هناك افتراض في القانون ينطبق على الحصار، حيث يشير رفض دول الحصار جميعَ محاولات الوساطة والتفاوض إلى "عدم وجود دليل يثبت أن قطر بلد إرهابي".

مقال بقلم الخنساء ماريا، زميلة إدارية – كيورا


منى المرزوقي أستاذ مساعد للقانون البحري والتجاري بكلية القانون بجامعة قطر. حصلت على شهادة البكالوريوس في القانون من كلية القانون بجامعة قطر، وشهادة الماجستير في القانون من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وعلى درجة  الدكتوراه في القانون البحري من جامعة تولين.