مركز الدراسات الدولية والإقليمية ومعهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية يناقشان التغير المناخي في العالم العربي

عقد مركز الدراسات الدولية والإقليمية ومعهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية حلقة نقاش في الجامعة الأمريكية في بيروت حول "من أو ما الذي يحرك سياسة التغير المناخي في العالم العربي؟" وذلك في 3 ديسمبر 2012. قدم حلقة البحث كريم مقدسي من الجامعة الأمريكية في بيروت، ورولا مجدلاني من لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا، ولمى الحتو من IndyACT رابطة الناشطين المستقلين، وربيع محتار من معهد البحوث القطري للطاقة والبيئة.

طرح رئيس الجلسة، كريم مقدسي، السؤال التالي على المتحدثين والحضور: "من أو ما الذي يحرك سياسة التغير المناخي في العالم العربي؟". وأكد على الحاجة لدراسة دوافع الاهتمام الكبير بتغير المناخ بين الحكومات العربية. للإجابة عن هذا السؤال، دافعت أولى المتحدثين رولا مجدلاني عن الدولة بصفتها اللاعب الأهم في أي مسألة تتعلق بتغير المناخ. وعلى الرغم من ذلك، قالت مجدلاني إنه كان من الضروري طرح فكرة الدولة ومن أو ما الذي تمثله. ولهذا أهمية خاصة في سياق الثورات العربية و"تفكيك الأجهزة الأمنية". إلا أن حل عدد من الأنظمة الإقليمية لا يعني بالضرورة أن الدولة قد اختفت، بل نجد أن ديناميات جديدة قد أخذت تتبلور على مستوى الحكم، علماً أن عملية الإصلاح هذه هي شيء جديد في العديد من الدول العربية.

تقول مجدلاني إن الدولة تلعب دوراً استراتيجياً في قضايا تغير المناخ من خلال "قدرتها على العمل عبر هياكل حكم معقدة، وعلى مستوى وزاري مشترك، وعبر منظور بعيد المدى، بالإضافة إلى العمل على القضايا العابرة للحدود، وبهذا المعنى تكون الدولة فعلياً محاوراً رئيسياً في هذه العملية التفاوضية"، وهي أيضاً لاعب أساسي في تحريك التمويل وضمان نقل التقنية على المستويين المحلي والعالمي.

تقع مسؤولية معالجة القضايا المتعلقة بالظروف المناخية القاسية كالجفاف والفيضانات على عاتق الدولة بشكل رئيسي. لهذا، فمن مصلحة الدولة أن تأخذ دوراً قيادياً في دفع سياسة تغير المناخ، وخاصة في دول العالم العربي حيث تعتبر قضايا المياه والطاقة أساسية. كما أن الدولة مسؤولة أيضاً عن حماية وحفظ واستغلال الموارد الطبيعية دون أن يؤثر هذا سلباً على الدول المجاورة. فانبعاثات الكربون قضية عابرة للحدود بالضرورة، لذا على الدولة أن تتفاوض مع جيرانها، ومع المجتمع الدولي بالتأكيد للوصول إلى اتفاقيات دولية تتعلق بالمناخ.

في الختام، قالت مجدلاني: يوفر الاهتمام المتزايد بقضايا تغير المناخ بين الدول العربية فرصة فريدة لإعادة تشكيل فكرة الدولة ككيان مسؤول وشفاف. فتقليدياً، كانت بعض الدول العربية قوية من حيث الشدة والاستبداد، لكنها ضعيفة عندما يتعلق الأمر بالإرادة والقدرة على معالجة مثل هذه القضايا البيئية الملحة.

سلط ربيع محتار، ثاني المتحدثين الضوء على الدور الهام الذي يلعبه العلم والبحوث والتنمية في معالجة المخاوف بشأن التغير المناخي. وأكد أن الحديث عن تغير المناخ محكوم بكلمات أساسية مثل "التكيف" و"التخفيف" ولكن ثمة حاجة للقيام بتقص أكبر لما يجب التكيف معه والتخفيف منه. تشير بيانات تغير المناخ الحالية على الصعيد العالمي إلى أن "درجات الحرارة القصوى في ارتفاع، إلا أن هذا لا يخبرنا أين وكيف". وما يزيد من تعقيد هذا الحديث، هو أن المعرفة العلمية بشأن تغير المناخ لا تزال في مهدها فضلاً عن تناقض الكثير من البيانات وافتقارها للدقة. يقول محتار إن ثمة حاجة ملحة للاستثمار في البحث والتطوير. وإن معهد البحوث القطري للطاقة والبيئة يأخذ زمام المبادرة في العديد من هذه المبادرات البحثية في المنطقة و"يشرع بإجراء دراسة أولية تبحث في آثار تغير المناخ على الغبار والعواصف الترابية".

من المفيد، بحسب محتار، أن قطر قد قامت باستضافة مؤتمر القمة الـ 18، بما أن منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي هي المناطق الأكثر تأثراً بقضايا زيادة النمو السكاني وما يصاحبها من ضغوط بخصوص الغذاء والماء والطاقة. كما أن الشرق الأوسط هي "المنطقة التي سجل فيها أعلى نصيب للفرد من حيث استهلاك المياه والطاقة" وفيها يتزايد القلق بشأن الأمن الغذائي. "لا توجد دولة واحدة في المنطقة بأكملها مكتفية ذاتياً" من حيث الغذاء لذا "تعتبر علاقة المياه والغذاء دافعاً قوياً لبحوث التغير المناخي الذي يجب أن نركز عليه. يشمل ما سبق بذل الجهود البحثية لإعادة تفعيل زراعة الأراضي الجافة وهي الطريقة التي كانت تستخدم تقليدياً ومنذ العصور القديمة في دول الشرق الأوسط. واختتم محتار بقوله إن ثمة حاجة كبيرة لتطوير نموذج لتغير مناخي على نطاق محلي في المنطقة - نموذج صمم خصيصاً للمناطق القاحلة وشبه القاحلة.

كانت لمى الحتو آخر المتحدثين، وقد أكدت على أهمية المجتمع المدني في قضايا تغير المناخ. وناقشت "الدور الذي يمكن للمجتمع المدني أن يلعبه من خلال التأثر والتأثير بسياسة التغير المناخي في هذا الجزء من العالم". أوضحت الحتو أن المجتمع المدني في العديد من الدول العربية كان إما خاملاً أو غير موجود. ويعود هذا بشكل كبير إلى "الطبيعة القمعية للعديد من الحكومات العربية والأسلوب الذي تمارسه الهياكل الاجتماعية بمجملها" في بعض الدول العربية. لكن، ومنذ انطلاق الثورات الإقليمية، تغير هذا المشهد بشكل دراماتيكي وأفسح المجال أمام منظمات المجتمع المدني لتعمل بشكل واضح وفاعل. وتم تكوين هذه التشكيلات الجديدة بشكل متزايد من قبل مجموعات الشباب المدافعين عن عدد من القضايا المختلفة، والأهم من ذلك أن الناس أخذوا يتحدثون عن كل القضايا التي تتعلق بحقوق الإنسان.

بما أن قضايا تغير المناخ هي قضايا عابرة للحدود وتحظى باهتمام عالمي، تعمل منظمات المجتمع المدني العربية كفريق واحد مع نظيراتها الدولية وتضغط على حكوماتها بخصوص قضاياها الموحدة. وعلى الرغم من القدرات المحدودة للعديد من هذه المجموعات، إلا أن شغفها بهذه القضايا قد أحدث فرقاً كبيراً. تختم الحتو بالقول إنه على الرغم من أن العديد من الحكومات الإقليمية والعالمية قد خطت خطوات واسعة في معالجة قضايا تغير المناخ، إلا أن الحاجة لتدخل منظمات المجتمع المدني لا تزال موجودة نظراً لأن هذه المنظمات تعتبر القوة المراقبة والصوت الذي يعلو ليحض الحكومات على بذل المزيد من الجهود.

 

المقال بقلم: سوزي ميرغاني، مدير ومحرر المطبوعات في مركز الدراسات الدولية والإقليمية.

 

السير الذاتية للمتحدثين:

كريم مقدسي: أستاذ مساعد في السياسات الدولية والسياسة البيئية الدولية في قسم الدراسات السياسية والإدارة العامة في الجامعة الأمريكية في بيروت. وهو أيضاً المدير المساعد في معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأمريكية في بيروت، كما يعمل مقدسي كمنسق لمكون السياسة البيئية في برنامج العلوم البيئية المشترك لطلاب الدراسات العليا في الجامعة الأمريكية في بيروت.

رولا مجدلاني: حاصلة على درجة الماجستير في التخطيط المدني والإقليمي من جامعة سيراكيوز. شغلت مجدلاني منصب مخطط مدني في دار الهندسة للاستشارات (لندن) بين 1985 – 1988، وعملت على إعداد المسوحات، والدراسات القطاعية، والنشاطات البحثية لمشاريع التنمية الحضرية في المملكة العربية السعودية والكويت والبحرين والأردن والمغرب العربي.

ربيع محتار: أسس برنامج الهندسة العالمي في جامعة بوردو حيث عمل كأستاذ للهندسة البيئية والموارد الطبيعية منذ عام 1996. تناولت نشاطاته المهنية قضايا هامة كالعلاقة بين المياه – والطاقة والغذاء والروابط المشتركة؛ وتحديداً في تطوير الجوانب البيئية للتنمية المستدامة والحفاظ عليها.