محاضرة عن المواقف من أمن الإنترنت والخصوصية في الشرق الأوسط

ألقى داميان رادكليف رئيس برنامج رصد للأبحاث في وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في قطر (آي سي تي قطر)، محاضرة افتتاحية للعام الدراسي 2014 - 2015 وذلك ضمن سلسلة الحوارات الشهرية التي ينظمها مركز الدراسات الدولية والإقليمية. ألقيت المحاضرة بتاريخ 16 سبتمبر 2014 تحت عنوان: "المواقف من أمن الإنترنت والخصوصية في الشرق الأوسط". وللتأكيد على أهمية الموضوع المطروح، أشار رادكليف إلى أنه على الرغم من اختلاف معظم الدول حول العالم في العديد من الخصائص، إلا أنها تتشارك مخاوف متشابهة حول قضايا أمن الإنترنت والخصوصية الإلكترونية وأمن البيانات. كما أن هذا الموضوع قد أصبح حديث العالم ولم يعد يقتصر على دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وأوضح قائلاً: "ثمة قيم ومواقف متسقة للغاية يتشاركها مستخدمو الإنترنت على الرغم من أنهم قد ينتموا إلى بلدان وثقافات شديدة الاختلاف".

ولاختبار مدى قابلية هذه الفرضية للتطبيق في دول الشرق الأوسط، أجرى رادكليف بحثاً في المواقف العربية تجاه سلامة الإنترنت والخصوصية الإلكترونية وأمن البيانات. وبالتعاون مع باحثين كانوا قد شاركوا في دراسات المنتدى الاقتصادي العالمي السابق التي أجريت عام 2011، قام رادكليف وفريقه باستطلاع آراء نحو 3,000 مستخدم للإنترنت من 14 دولة في منطقة الشرق الأوسط. وعند جمع المعلومات مع الدراسة السابقة أنتجت عينة عالمية شملت أكثر من 11,000 مستخدم للإنترنت من ما يقرب 60 بلداً. وأوضح رادكليف: "من أسباب حرصنا على تنفيذ هذا المشروع أنه أفسح لنا المجال لقياس تجربة مستخدمي الإنترنت في الشرق الأوسط مقارنة مع غيرهم من جميع أرجاء العالم". وقد غطت أسئلة البحث خمسة مجالات محددة شملت استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وغيرها من التقنيات المتوفرة في المنازل، والمواقف تجاه الإنترنت، ومخاوف مستخدمي الإنترنت، ومدى الثقة بالجهات والمواقع الإلكترونية، فضلاً عن سلوكيات الإنترنت.

 

كان للمقارنة بين مجموعة البيانات هذه إفادة كبيرة لنتائج البحث بالإضافة إلى تقسيم البيانات على أساس جغرافي وتصنيفها على أنها صادرة عن مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وشمال أفريقيا، أو أنها جمعت من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بما يشمل بعض الآراء المستطلعة من منطقة بلاد الشام. مكنت البيانات الناتجة الباحثين من تحديد الفروقات بين شتى مناطق العالم العربي. فعلى سبيل المثال، سلطت إحدى نتائج البحث الضوء على أن الاختلافات المتعلقة بسلوكيات الإنترنت بين دول مجلس التعاون وشمال أفريقيا يمكن أن يعزى إلى عوامل اجتماعية واقتصادية. وأوضح رادكليف: "لدى سكان دول مجلس التعاون قدرة أكبر على الوصول للإنترنت نظراً لانتشار الهواتف الذكية في المنطقة... بنسبة تجاوزت 70% في السعودية وقطر، في حين أنها لم تتعدى نسبة 2% في مصر".

وفي حين وجدت بعض الاختلافات الرئيسية الهامة بين مستخدمي الإنترنت عالمياً، أكدت نتائج البحث الشاملة فرضية رادكليف الأولية التي نصت على عدم وجود اختلافات جوهرية بين مستخدمي الإنترنت في الشرق الأوسط وغيرهم في أنحاء العالم. وأشار رادكليف إلى أن: "التساوي من حيث القدرة على الوصول إلى التكنولوجيا بالنسبة لشخص من المنطقة مقارنة ببقية دول العالم كان جيداً جداً. وفي حقيقة الأمر، إن نظرتم إلى دول مجلس التعاون، فإمكانية الحصول على أشكال متقدمة من التكنولوجيا أعلى بكثير من أجزاء أخرى كثيرة من العالم". كما وجد فريق البحث أن مستخدمي الإنترنت في الشرق الأوسط، وبخاصة المستخدمين الأصغر سناً يظهرون نشاطاً إلكترونياً كبيراً بالإضافة إلى نظرتهم الإيجابية لتأثير الإنترنت على حياتهم.

تم تحديد فرق رئيسي وحيد بين مستخدمي الإنترنت في الشرق الأوسط وذلك عند إجراء المقارنة مع المتوسط العالمي بشأن المواقف تجاه الإنترنت، وتمثل بميلهم إلى عدم الوثوق بالمنظمات المتواجدة فقط على الإنترنت، ما يفسر، بحسب رادكليف، "قلة انتشار التجارة الإلكترونية في هذه السوق عن غيرها من الأسواق. وفي الواقع، يعد سكان هذه المنطقة أقل انخراطاً في شؤون التجارة الإلكترونية من غيرهم من سكان المناطق الأخرى الذين استطلعنا آراءهم. كما أنهم أقل تعاملاً بالمصرفية الإلكترونية. ولا تزال الطرق التقليدية في التسوق والأعمال المصرفية أكثر انتشاراً". بالإضافة إلى ما سبق، تم تحديد اختلاف رئيسي آخر تمثل بميل مستخدمي الإنترنت في الشرق الأوسط إلى الوثوق بالأشكال التقليدية للسلطة، سواء أكانت مؤسسات حكومية أو مالية. وأشارت نتائج البحث إلى تفضيل مستخدمي الإنترنت في المنطقة عموماً لتنظيم السلطات الحاكمة لمضمون الإنترنت، ولم يظهروا أي قلق حيال أمن معلوماتهم الشخصية عبر الإنترنت، وفي هذا تناقض صارخ مع الذين شملهم الاستطلاع في الدول الغربية حيث ظهروا أكثر قلقاً من عمل المؤسسات الحكومية والمالية، ومن المحتمل أن ذلك أحد أعراض الأزمة الاقتصادية الأخيرة في تلك البلاد.

اختتم رادكليف محاضرته بتسليط الضوء على بعض الأفكار المتعلقة بمستقبل التقنيات الرقمية، مناقشاً أنه مع زيادة توافر تقنيات المراقبة الشخصية، فمن المرجح أن تزداد القضايا المتعلقة بالثقة مستقبلاً. وكلما زاد عدد الأجهزة الرقمية في العالم، كلما زاد خطر الخروقات الأمنية، إلا أن إمكانية القيام بذلك بشكل مختلف وبناء أكثر سوف تزداد في الوقت نفسه أيضاً. وخلص رادكليف بالقول: "سوف تحمل التقنيات الجديدة تحديات وفرصاً جديدة في الوقت نفسه".

داميان رادكليف حائز على جائزة تطوير المحتوى، وصحفي، وباحث ترأس فرقاً متنوعة في مجالات الصحافة وتطوير وسائل الإعلام والمشاركة المدنية منذ نحو 20 عاماً. ويرأس حالياً برنامج رصد للأبحاث في وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في قطر (آي سي تي قطر) - وهو مبادرة تستكشف تأثير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات على المجتمع والإمكانات التي تتيحها التقنيات الناشئة. وقد نشر فريقه أكثر من 80 دراسة وعرضاً تقديمياً ومقالة ومعلومات بيانية منذ منتصف عام 2012 - باللغتين الإنجليزية والعربية – وتمت تغطية أعمالهم من قبل العديد من وسائل الإعلام الإقليمية والدولية. وتم تصنيف بحثهم على أنه من أفضل 1% بالنسبة للمحتوى المشاهد عالمياً على منصة سلايد شير التابعة لموقع لينكد إن في عام 2013.

المقال بقلم: سوزي ميرغاني، مدير ومحرر المطبوعات في مركز الدراسات الدولية والإقليمية.