لغز مأرب: حالة استقرار ونشاط اقتصادي في اليمن الذي مزقته الحرب

قدّم محمد الجابري، وهو طالب في السنة الأخيرة بجامعة جورجتاون في قطر متخصص في الشؤون الدولية والدراسات العربية، وزميل منشورات كيورا، بحثه بعنوان "لغز مأرب: حالة استقرار ونشاط اقتصادي في اليمن الذي مزقته الحرب"، وذلك في جلسة نقاش مركّز في إطار برنامج كيورا في 3 أبريل 2019. وعاد الجابري، وهو مواطن يمني، إلى بلده العام الماضي لإجراء بحث في إطار أطروحته الأكاديمية التي يتناول فيها تعقّد الحرب في اليمن، والرمزية السياسية لمدينة مأرب، وتأثيرات الحرب الاجتماعية والثقافية والسياسية على البلد.

وتناول الجابري بالفحص والتمحيص مدينتين من مدن اليمن: مدينة عدن الساحلية، ومدينة مأرب في وسط اليمن، مركّزًا في دراسته على الصعيد المحلي. وكان السؤال الأساسي الذي طرحه في بحثه هو: "لماذا تتمتع مأرب بقدر أكبر من الاستقرار والنشاط الاقتصادي مقارنةً بالعاصمة المؤقتة عدن؟" وعرّف الجابري "الاستقرار" بأنه عدم وجود صراع محلي، ودوام الوصول إلى السلع والخدمات العامة، ومرونة الحكومة المحلية. ولكي يجيب عن سؤال البحث المركزي، أجرى دراسةً حول التجارة والأنشطة التجارية (شبه القانونية والقانونية تمامًا) والأموال التي تضخّها في اليمن قوى التحالف - خصوصًا المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

وقدّم الجابري معلومات أساسية عن بداية الحرب التي لا تزال رحاها تدور في اليمن، فقال إن هناك تاريخين مهمين ومختلَف فيهما: 21 سبتمبر 2014، لمّا استولى المتمردون الحوثيون على العاصمة صنعاء وأطاحوا بالرئيس هادي؛ و25 مارس 2015، عندما تدخلت المملكة العربية السعودية عسكريًا في اليمن على رأس التحالف. فأما أنصار التحالف فيؤكدون أن الحرب بدأت في التاريخ الأول، وأما المتمردون الحوثيون فينكرون أن الصراع هو في الواقع حرب أهلية، ويقولون إنها عدوانٌ تقوده السعودية. وقال الجابري إن القول الفصل في هذا النقاش يعتمد على كيفية تصنيف الصراع الحالي، وطرَح الأسئلة التالية: "هل الصراع الحالي حرب أهلية؟ هل هو عدوان عابر للقوميات؟ هل ينبغي أن نلوم المملكة العربية السعودية على ذلك؟ هل ينبغي أن نلوم الحوثيين؟" وهكذا حاول أن يتصدى للتيار الواسع النطاق المفرط في تبسيط الحرب في اليمن من خلال حصرها في طرفين فقط.

"الفساد، والفقر، وشبكات المحسوبية، وغياب دولة قومية ذات معنى، وهشاشة النظام، كل ذلك أضعف مكانة اليمن الراهنة".

حدّد الجابري ثلاثة أسباب رئيسية للحرب: إخفاق العملية الانتقالية بعد الانتفاضات العربية لعام 2011؛ وعدم القدرة على تسوية المظالم التاريخية بين شمال اليمن وجنوبه؛ ودور اليمن المحدود في المجتمع الدولي. وقال الجابري إن "الفساد، والفقر، وشبكات المحسوبية، وغياب دولة قومية ذات معنى، وهشاشة النظام، كل ذلك أضعف مكانة اليمن الراهنة". وأضاف أن "اليمن بات ساحة للقوى الدولية تمارس فيها نفوذها وتفرض هيمنتها" بسبب هذه القضايا.

وواقع اليمن اليوم، في رأي الجابري، هو أنه مقسم إلى ثلاث دول مختلفة: منطقة صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين؛ وعدن والجنوب اللذين تسيطر عليهما دولة الإمارات العربية المتحدة والقوات التابعة لها؛ و"دولة مأرب"، وهي مركز يضمّ الفاعلين السياسيين ضمن معسكر الرئيس هادي، الذين يسعون إلى الحفاظ على اليمن موحدًا". وقال إنه من بين هذه الدول الثلاث، يُستشفّ من الأدبيات ومن تغطية الحرب في وسائل الإعلام ومن سلوك الوفود الأجنبية التي تزور البلاد وتصرفاتها أن مأرب هي، فيما يبدو، المنطقة الوحيدة المستقرة في البلاد. لكن الجابري قال إنه من خلال المقابلات والتحليلات والوقت الذي قضاه في اليمن "تبيَّن لي أن الاستقرار والنشاط الاقتصادي المستقر في منطقتي عدن ومأرب ليسا مطلقين، بل هما مسألة واقع نسبي". وقال إن الحرب في اليمن باتت أمرًا طبيعيًا و"تجارة مربحة".

وسلّط الجابري الضوء في مختتم حديثه على الاستنتاجين اللذين خلص إليهما من بحثه، فقال إن الاستقرار في اليمن يتأثر تأثرًا مباشرًا بنظامين مختلفين: شبكات المحسوبية العاملة في مأرب، من جهة، والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية العاملتين في عدن، من جهة أخرى. فأما النظام الأول فيتعلق بالتحوّل من مركز اليمن التاريخي - العاصمة صنعاء - إلى مأرب. وقال إن هذا النظام لم يكن مثالاً للحكم المحلي الناجح، بل يُعزى إلى النخب السياسية التاريخية و"ارتباطاتها القبلية والعسكرية والدينية والتكنوقراطية" التي تستديم السلطة بالانتقال إلى مدينة أخرى. وقال الجابري إن الذين يديرون حكومة الرئيس هادي ويسيطرون عليها إنما هم "جزء من شبكة محسوبية تتحكم في كل شيء". وبالتالي، فإن نمو النشاط الاقتصادي في مأرب مردّه إلى إعادة توجيه الموارد، لا إلى إقامة أعمال تجارية جديدة بالفعل. وأما النظام الثاني فيتعلق بالكيفية التي يتم بها زيادة تسييس الاقتصاد اليمني بسبب التباينات بين تأثير الإمارات العربية المتحدة في الجنوب، وتأثير المملكة العربية السعودية في الشمال.

 

مقال بقلم خوشبو شاه، زميل إدارة - كيورا


سيتخرج محمد الجابري (دفعة 2019) من جامعة جورجتاون في قطر بدرجة بكالوريوس العلوم في الشؤون الخارجية وماجستير الآداب في الدراسات العربية. اهتماماته البحثية هي التنمية، وبناء الدولة، والإسلام السياسي. ويعمل حاليًا على فيلم وثائقي عن النضال الاقتصادي والشخصي للشباب المشاركين في الحرب في عدن. وبالإضافة إلى دوره باعتباره زميلاً لمنشورات كيورا منذ عام 2016، قضى فترات تدريب داخلي في مؤسسة "علّم لأجل قطر" وفي سفارة الولايات المتحدة بالدوحة وفي مؤسسة قطر.