ديناميات الأمن المتغيرة في الخليج: الاجتماع الثاني لفريق العمل

عقد مركز الدراسات الدولية والإقليمية الاجتماع الثاني لفريق عمل المبادرة البحثية "ديناميات الأمن المتغيرة في الخليج" في 13 و14 مايو 2015. اجتمع الأكاديميون للمرة الثانية ليناقشوا نتائج بحثهم وليجمعوا الآراء حول أوراقهم من زملائهم الأعضاء في فريق العمل. وقد غطت الموضوعات المطروحة مجالاً واسعاً من القضايا مثل سياسات التوريث في الأنظمة الملكية الخليجية، وقيام الدولة الإسلامية في العراق والشام، والأعمال والسياسة، ومشهد الطاقة الناشئة.

ناقش العلماء مواطن القوة والضعف لنماذج التوريث في سياسات الخليج، وقد أظهرت نتائج البحث أنه في حالة عمان، وعلى الرغم من غياب الابن أو الوريث المعلن، فإن الآليات السياسية تسمح لكبار الشيوخ باختيار وريث العرش القادم عند حدوث وفاة. وفي المملكة العربية السعودية تميل الخلافة إلى أن تكون عملية أكثر تعقيداً، حيث يمكن أن يتم تخطي أبناء متتابعين استناداً إلى اختيارات كبار القادة السعوديين. وقد طلب المشاركون سياقاً تحليلياً أوسع لتأطير الحالتين الدراسيتين ومزيد من التوضيح حول سرعة التغير التي تشهدها المملكة العربية السعودية. تم التساؤل أيضاً عن سلوك دولة الإمارات العربية المتحدة كدولة صغيرة. نظراً لحجم وقدرة الجيش والقوات الجوية الإماراتية، نسبة إلى دول صغيرة أخرى في المنطقة، فإن نظرية الدولة الصغيرة لا تنطبق على قرارات السياسة الخارجية للإمارات التي تشمل كلاً من القوة الناعمة والصلبة. وتكهن المشاركون فيما إذا كان تغير الأجيال في السلطة يتزامن مع تحولات مميزة في السياسة الخارجية وكيف ساهم هذا في السياسة الخارجية النشطة لدولة الإمارات العربية المتحدة في المنطقة.

مما لا شك فيه، أنه وفي أعقاب الانتفاضات العربية في عام 2011، واجهت الأنظمة الخليجية في السلطة معضلات سياسية شديدة. فخلال الفترة ما بين 1980 – 2003 غيرت حروب الخليج الثلاث مواقع دول مجلس التعاون وتركت إيران والعراق وجهاً لوجه وسارعت من اندماجها في مظلة عسكرية وأمنية غربية. أظهر قيام تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية واحتلال العراق كيف أن العنف غير الحكومي أخذ يحل محل الصراعات بين الدول كتهديد رئيسي للأمن الإقليمي والاستقرار في منطقة الخليج. خلال الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003 قدمت دول مجلس التعاون الست درجات متفاوتة من الدعم السياسي واللوجستي. وقد وضع صناع السياسة في موقف معقد بسبب الحاجة لتحقيق توازن بين علاقاتهم الأمنية مع الولايات المتحدة ضد مستويات عالية من المعارضة الداخلية بشأن الغزو. وفي الآونة الأخيرة، فإن تهديد الأمن القومي الذي تشكله الدولة الإسلامية يواجه كل دول الخليج. حتى أن المملكة العربية السعودية تحديداً في خطر بسبب التهديد الأيديولوجي الذي تمثله الدولة الإسلامية في العراق والشام. تأثيرات الدولة الإسلامية على كل من مصالح الأمن الداخلي والخارجي لدول مجلس التعاون الخليجي، وذلك بسبب وجود شبكة من خلايا الدولة الإسلامية داخل دول الخليج، وأيضاً كنتيجة لتدفق مواطني دول الخليج الذين ينضمون للقوات المقاتلة التابعة للدولة الإسلامية.

بالإضافة إلى نهوض الدولة الإسلامية في العراق والشام، ينظر إلى إحجام الولايات المتحدة في التدخل بقوة أكبر في الأزمة السورية بأنه قد ساهم في جعل دول مجلس التعاون تقوم بدور أكثر نشاطاً في الأمن الإقليمي. في المرحلة الحالية ثمة استعداد غير مسبوق من قبل دول مجلس التعاون لاحتضان القيادة العسكرية في المنطقة. ومع ذلك فليس هناك استجابة متسقة أو منسقة من قبل الدول الست. إن تصاعد التوترات الإيديولوجية بين مختلف الدول والافتقار إلى الثقة والذكاء في ما بينها قد أثر بشكل سلبي على تطوير بنية الأمن الجماعي. وقد شهدنا اعتباراً من عام 2011 فصاعداً تحولاً مميزاً في السياسة الخارجية للكويت، وقطر، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة. اقترح المشاركون في فريق العمل بأن هذا الشكل الجديد من التدخل الذي عرض من قبل بعض من دول مجلس التعاون قد حمل معه مخاطر شديدة قد تؤثر بشكل مباشر على أمن الخليج. فعلى سبيل المثال، صحب التدخل الخليجي في شمال أفريقيا التزامات مالية واسعة. وقد تزيد تلبية هذه الالتزامات وإدارة علاقاتها مع شمال أفريقيا من التحديات المطروحة لدول مجلس التعاون وخاصة إذا ما استمرت أسعار النفط بالهبوط.

كان لإنتاج النفط والغاز الصخري في الولايات المتحدة كنتيجة للتكسير والحفر الأفقي تداعيات استراتيجية هامة على مشهد الطاقة في منطقة الخليج. وقد افترض المشاركون ما إذا كان تغير توقعات الطاقة للولايات المتحدة قد توافق مع تخفيضها لحجم جيشها ومشاركتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط. فالهند على سبيل المثال تعتمد بشكل كبير على النفط من منطقة الخليج، حيث تشكل وارداتها من نفط الخليج ثمانين بالمئة من احتياجاتها السنوية. علاوة على ذلك، يتم إرسال حوالي 32 مليار دولار سنوياً على شكل حوالات للهند من قبل ستة ملايين مغترب يعيشون في منطقة الخليج. وعلى الرغم من هذه العلاقات القوية في الطاقة والتجارة، فإن الهند كانت غائبة إلى حد كبير في مشاركتها مع منطقة الخليج، واختارت بدلاً من ذلك أن تتقارب أكثر مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، فإن الهند قوة صاعدة وإن كانت مترددة في المنطقة.

طالما كان تنويع الاقتصادات في منطقة الخليج هدفاً معلناً منذ فترة طويلة لمجلس التعاون، لكن في ظل انخفاض أسعار النفط أصبحت الحاجة لهذا أكثر أهمية. في الواقع، قد يكون تنويع الاقتصاد صعباً في منطقة الخليج بسبب نظام العمل المحمي الموجود. في الغالبية العظمى من دول الخليج الست تمتلك مجتمعات الأعمال تاريخاً من النفوذ السياسي وغالباً ما تدعم النظام الاجتماعي والسياسي في المكان الموجودة فيه. وفي السنوات الأخيرة، دخل أفراد من العائلات الحاكمة في منطقة الخليج في مجال الأعمال والقطاع الخاص بأعداد متنامية. يمكن أن يعزى ذلك إلى تزايد عدد أفراد العائلات الحاكمة في الخليج غير القادرين على تولي مناصب سياسية، لذا فهم يتابعون المشاريع الاقتصادية. كما أظهر الربيع العربي، لا تزال نخبة رجال الأعمال تواصل الإفادة من الوضع السياسي الحالي. وبالنسبة للاحتجاجات والاضطرابات السياسية الذي حدثت في الكويت والبحرين وعمان فقد شبت في البداية بسبب غضب واستياء الشباب تجاه التوزيع غير العادل للإيجار وارتفاع معدلات البطالة. بالإضافة لذلك، فالشباب في المنطقة ليسوا عناصر منفصلة عن الشبكات القبلية في مكان وجودهم. ومع ذلك، توجد اختلافات بين الأجيال من حيث نظرتهم إلى أنفسهم باعتبارهم أصحاب حق في المجتمع. ستواجه النخب الحاكمة حتماً تضارباً في الأولويات بين مصالح الأمة في تعزيز فرص عمل الشباب، والخدمات الاجتماعية، وبين مصالحهم الشخصية كرجال أعمال. شكك المشاركون بطبيعة المساومات الحاكمة الجديدة في الخليج – إذا استمرت العائلات الحاكمة بالاعتقاد بأنهم يستطيعون المزايدة بمتطلبات الأمن على العمليات الديمقراطية، ماذا ستكون الآثار المترتبة على المجتمعات الخليجية في المستقبل القريب؟

المقال بقلم هيا النعيمي، محلل البحوث في مركز الدراسات الدولية والإقليمية