جورج نوفل في محاضرة حول اقتصادات الهجرة إلى دول مجلس التعاون

ألقى جورج نوفل – الأستاذ المساعد في كلية الاقتصاد في الجامعة الأمريكية في الشارقة والزميل الباحث في معهد دراسات العمل – محاضرة ضمن سلسلة الحوارات الشهرية التي ينظمها مركز الدراسات الدولية والإقليمية، بعنوان "اقتصادات الهجرة إلى دول مجلس التعاون" وذلك في 9 أيلول 2013. تناولت المحاضرة بشكل مفصل تاريخ هجرة العمالة العربية من خارج مجلس التعاون إلى دول مجلس التعاون، وشرحت كيف ولماذا حدثت تلك التغيرات الدراماتيكية في أنماط الهجرة منذ سبعينيات القرن الماضي.

استفاض نوفل بالحديث عن تاريخ هجرة العمالة إلى دول مجلس التعاون ليشرح لماذا أصبحت هذه الدول وجهة فريدة لجذب أعداد كبيرة من العمال الأجانب. تمثل العامل الرئيسي في تحويل المنطقة إلى مركز للهجرة الاقتصادية المؤقتة باكتشاف احتياطيات كبيرة من النفط والغاز الطبيعي في مطلع القرن العشرين. بعد عدة عقود من اكتشاف هذه الاحتياطيات، وخلال فترة الحظر النفطي في سبعينيات القرن الماضي، يقول نوفل "تلقت دول مجلس التعاون - وعلى رأسها المملكة العربية السعودية - أكبر عملية نقل للثروة في التاريخ البشري". ونظراً لقلة عدد السكان المحليين وتواضع خبراتهم، برزت حاجة ملحة لاستقدام العمال الأجانب للحصول على أقصى إفادة من تلك الصناعة الناشئة. يروي نوفل أنه "في عام 1981، لدى تشكل مجلس التعاون لدول الخليج العربية بلغ تعداد السكان حوالي 15 مليون شخص يعيشون على مساحة واسعة من الأرض". وأدى تسارع نمو صناعة الهيدروكربونات، إلى تزايد النمو الاقتصادي فضلاً عن تزايد المشاريع التنموية المرتبطة بهذه الصناعة، ما أدى بدوره إلى تزايد الحاجة إلى القوة العاملة، وأضاف نوفل: "تمثل الهدف النهائي بإحداث التطور وبشكل سريع، لذا فقد كان استقدام العمالة أفضل طريقة لتحقيق هذه الغاية".

نظراً للقرب الجغرافي والقواسم المشتركة من لغة وثقافة ودين، "فقد كان العرب من خارج دول مجلس التعاون أول من قدموا في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي" ليشكلوا العمالة المهاجرة إلى دول مجلس التعاون. إلا أن حكومات دول مجلس التعاون في منتصف الثمانينات، التي تعد الفترة التي تعاظم فيها تدفق العمالة العربية، قد لاحظت أن العمالة العربية المهاجرة قد بدأت بتشكيل تهديد تخريبي من خلال إدخال أيديولوجياتها الدينية والسياسية الخاصة والتي لم تكن دوماً موضع ترحيب في المنطقة. استشهد نوفل على ما سبق بحرب الخليج الأولى قائلاً إنها "الانكسار البنيوي بالنسبة للجنسية، أو لمصدر العمالة" إلى دول مجلس التعاون. فقد تمت خلال تلك الفترة عمليات ترحيل جماعي من دول مجلس التعاون شملت مواطني دول الشرق الأوسط التي أيدت العراق.

تم استبدال عمال من آسيا وجنوب آسيا بالأعداد الكبيرة من العمالة العربية المهاجرة من خارج  دول مجلس التعاون. ويتابع نوفل قائلاً: "تشير التقديرات إلى أن نسبة العرب من خارج دول مجلس التعاون قد بلغت في السبعينيات حوالي 70% من القوة العاملة في حين شكل الآسيويون نحو 20%." وقد انقلبت هذه الأرقام بشكل عكسي شبه تام في عام 2005. حيث وجد صناع القرار في دول مجلس التعاون أن استقدام العمال الآسيويين يعد أفضل من الناحية الاقتصادية، لأنهم يقبلون بالعمل لفترات أطول مقابل رواتب أقل، فضلاً عن أن فرصهم في التأثير السياسي أو الديني أو الأيديولوجي لا تذكر.

إن ما يحدد الهجرة إلى منطقة الخليج هي نتائج عوامل الجذب والنبذ، وهي عوامل محلية وعالمية بحسب احتياجات الدول المرسلة والمستقبلة. من جهتهم، يقوم العمال من جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا بالسفر إلى دول مجلس التعاون هرباً من البطالة ومن تدني مستوى المعيشة في أوطانهم. يشير نوفل إلى أنه "في المقابل، قدرت معايير المعيشة في قطر في عام 2010، مقارنة بمتوسط دخل الفرد، بـ 23 مرة أكثر مما هي عليه في سريلانكا، وبـ 35 مرة أكثر مما هي عليه في اليمن، وبـ 50 مرة أكثر مما هي عليه في السودان، وبـ 70 مرة أكثر مما هي عليه في بنغلادش". ويشير نوفل إلى إمكانية إسقاط هذه المقاييس الاقتصادية الكلية على المستوى الشخصي البسيط فيقول: "لو كنت فلاحاً مصرياً في السبعينيات وأتيت إلى المملكة العربية السعودية، فكنت ستحصل على راتب يعادل 30 ضعفاً لراتبك. ولو كنت معلماً في مصر في الثمانينيات كنت ستحقق 20 ضعفاً. وفي التسعينيات، لو كنت مهندساً أردنياً، فستحقق ثلاثة أضعاف راتبك بانتقالك للعمل في الكويت".

بحث نوفل في ظاهرة تحويل الأموال من الخليج ووصفها بأنها "أقل تقلباً بكثير، وأكثر إستقراراً من الاستثمارات الأجنبية المباشرة والمساعدات الخارجية". فخلال الأزمة الاقتصادية العالمية حافظت الحوالات المالية من دول مجلس التعاون على قوتها. ويضيف نوفل: "بشكل أساسي فإن ربع أو خمس الحوالات المالية في العالم تأتي من دول الخليج". أشار نوفل أيضاً إلى الارتباط المباشر بين سياسات العمل في دول مجلس التعاون وبين النمو والتطور للدول التي ترسل عمالها وتستقبل رؤوس أموال محولة بشكل مباشر، وعلق نوفل بأن دول الشرق الأوسط قد خسرت هذه الاستثمارات والثروة المحتملة والتي تم توجيهها إلى الدول الآسيوية.

كما أشار نوفل إلى العلاقة المباشرة بين الأحداث الجيوسياسية وبين سياسات العمل في دول مجلس التعاون. فبسبب الأوضاع المتقلبة في العديد من دول الشرق الأوسط، أصبح لدول مجلس التعاون جاذبية خاصة كوجهة هجرة لمواطني الدول العربية المجاورة. يقول نوفل: "منذ الحرب العالمية الثانية، وحتى عام 2010 ما قبل الربيع العربي، شهدت منطقة الشرق الأوسط 28 صراعاً خطيراً". تنتج الصراعات معدلات عالية من البطالة وقلة في فرص العمل، ما يشكل تحديات مستقبلية خطيرة بالنسبة للشباب الذي يمثل النسبة الأكبر في التعداد السكاني لتلك الدول. لذلك، يرى نوفل أنه من شأن سياسات العمل في دول مجلس التعاون التخفيف جزئياً من بعض ضغوط العمل التي نتجت عن الانتفاضات العربية.

في الختام، أشار نوفل إلى التحديات المستقبلية في سوق عمل دول مجلس التعاون قائلاً: "استطاعت دول مجلس التعاون أن توجد 7 ملايين فرصة عمل في غضون السنوات السبع الماضية – أي بمعدل مليون فرصة عمل سنوياً تقريباً. ومع ذلك، فإن أهمية إيجاد فرص العمل تحل ثانياً بعد أهمية إفادة كامل السكان المحليين من سوق العمل. تعد معدلات البطالة حالياً مرتفعة جداً بين السكان المحليين في دول مجلس التعاون الذين إما يرفضون فرص العمل التي لا تستهويهم أو أنهم لا يستطيعون منافسة العمال الأجانب الأكثر خبرة. ويعلق نوفل: "يجب على دول الخليج أن تفكر ماذا سيحدث مستقبلاً لأسعار النفط وفيما إذا سيكون بإمكانهم موازنة ميزانياتهم". وبغية التخفيف من هذه المخاوف، بدأت بعض حكومات مجلس التعاون بتنويع اقتصاداتهم والاستثمار بشكل مكثف في قطاع التعليم لمنح السكان المحليين أفضلية تنافسية في أي من أشكال سوق العمل المستقبلي.

جورج نوفل حاصل على شهادة دكتوراه في الاقتصاد من جامعة اي آند ام في تكساس. تناول بحثه الأولي الهجرة ونتائجها، وبشكل أساسي تأثير الحوالات المالية على الدول المحولة. ركز نوفل في بحثه بشكل خاص على الشرق الأوسط ومنطقة شمال أفريقيا مع التركيز على دول الخليج. وهو مؤلف مشارك في كتاب "العمالة الوافدة والقوة العاملة: قصة دول مجلس التعاون" (بالجريف ماكميلان، 2012). تم عرض أعماله من قبل وسائل إعلام محلية وعالمية بما فيها صحف ذا ناشيونال، وأخبار الخليج، ونيويورك تايمز. كما عمل البروفسور نوفل كمستشار لشؤون الشرق الأوسط.


المقال بقلم: سوزي ميرغاني، مدير ومحرر المطبوعات في مركز الدراسات الدولية والإقليمية.