الصين والشرق الأوسط: الاجتماع الأول لفريق العمل

عقد مركز الدراسات الدولية والإقليمية الاجتماع الأول لفريق عمل المبادرة البحثية التي أطلقها المركز "الصين والشرق الأوسط"

في 25 و26 أبريل 2015. التقى جمع متنوع ومتعدد التخصصات من علماء من الصين والشرق الأوسط والولايات المتحدة ومن أماكن أخرى في العاصمة واشنطن على مدار يومين لمناقشة أهم ملامح واتجاهات وآثار هذه العلاقة متعددة الأوجه.

إن أساس تعامل الصين مع الشرق الأوسط كان اقتصادياً بطبيعته، وقد ارتكز بشكل أساسي على تجارة سلع الطاقة. ونتيجة لذلك، فقد اتخذ الشرق الأوسط موقعاً هاماً في الرؤية الاقتصادية العالمية في الصين، التي ترى المنطقة كجزء أساسي من مبادرتها "طريق الحرير" المعاصر، وهي محاولة لربط أفضل بين الصين مع باقي دول آسيا وأفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط. تتطور هذه العلاقة الاقتصادية بشكل ثابت. وتقوم الصين بالاستثمار بشكل متزايد في المنطقة، كما هو الحال مثلاً في الصناعة والبنية التحتية، بدلاً من مجرد الاعتماد على تجارة الطاقة. لاحظ المشاركون في فريق العمل إمكانات ثورة الغاز الصخري لتغيير معادلة الطاقة في منطقة الشرق الأوسط، حيث تنتج الولايات المتحدة من الغاز أكثر مما تنتج المملكة العربية السعودية من النفط. كما أن لدى الصين نفسها رواسب غاز صخري كبيرة خاصة بها. أثيرت قضية أخرى وهي استثمار الصين في الطاقة الخضراء، حيث تعتبر حالياً رائدة في هذا المجال، والتأثيرات العالمية لذلك. ماذا سيعني ما سبق لعلاقة الصين بالشرق الأوسط؟ سلط المشاركون الضوء على الحاجة للتحقيق الكامل لترسيخ اقتصاد الصين في المنطقة على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

تمثلت إحدى النتائج الهامة لهذه العلاقة الاقتصادية بنمو مجموعة متنوعة من العلاقات الاجتماعية الثقافية بين الصين والشرق الأوسط، حيث يقيم الصينيون المسلمون الآن في منطقة الخليج، مع ما يقارب 200,000 مواطن صيني يعيشون في دبي وحدها. وكجزء من الثقافة الإسلامية، يقوم عدد كبير من المسلمين الصينيين بدراسة اللغة العربية في الصين، وفي الخارج أيضاً في سورية وإيران. لعب المسلمون الصينيون دوراً في تسهيل العلاقات بين الصين والشرق الأوسط. وبالمثل، فثمة شتات عربي كبير في الصين، حيث كانوا قد هاجروا إلى أماكن مثل وايوو، وهي مركز تجاري رئيسي في الصين. ما هو تأثيرهم كمجتمع؟ لاحظ المشاركون إدراكاً متزايداً للصين باعتبارها أرضاً خصبة للتحولات الدينية، مع تحيز ضد الشيعة نتيجة للتأثر بالمذهب الإسلامي الوهابي في المملكة العربية السعودية.

تشهد مشاركة الصين في الشرق الأوسط على المستوى السياسي أيضاً تغيرات كبيرة. فقد انعكس ذلك في الاتجاه الصيني المتزايد نحو المشاركة متعددة الأطراف على سبيل المثال. على عكس الثنائية المميزة تقليدياً لعلاقة الصين بدول الشرق الأوسط. لاحظ المشاركون أن الصين تتطلع بشكل متزايد إلى منصات متعددة الأطراف لإضفاء الطابع الرسمي على التعاون مع العالم العربي، ولعل أحد الأمثلة على ذلك مؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا الذي عقد في شنغهاي في قمة 2014. وتمت الإشارة أيضاً إلى إمكانيات العلاقة بين مجلس التعاون الخليجي وبين دول البريكس، وأشار المناقشون إلى أنه على الرغم من عدم وجود علاقات رسمية حالياً، إلا أن التطورات في هذا المجال يمكن أن يكون لها تأثير عميق في نهاية المطاف. ومن الناحية السياسية، شكل إرث الربيع العربي عام 2011، أحد المتغيرات الرئيسية التي تؤثر على تعامل الصين مع المنطقة. فقد سعت الصين للحفاظ على علاقات جيدة مع كل الأطراف، مثل المملكة العربية السعودية وإيران، وكذلك الأمر مع الدول التي تمر باضطرابات داخلية، مثل مصر وسورية. تمثل هنا دور الصين كقوة " توازن " كبيرة في الشرق الأوسط. وأشار المشاركون إلى قدرة الصين على الاحتفاظ بعلاقات إيجابية مع كل اللاعبين الإقليميين المهمين في وقت واحد، وعلى الرغم من أنهم ادعوا أن هذا سيصبح صعباً بشكل متزايد في المستقبل، فأحد الأمثلة البارزة على ذلك كان عند استخدام الصين لحق النقض في عام 2011 ضد عقوبات الأمم المتحدة على سورية، ما أدى لاحقاً إلى توتر العلاقات مع المملكة العربية السعودية وتركيا. وقد لخص أحد المشاركين نهج الصين العملي بطبيعتها في المنطقة كحالة "تجنب الأعداء، بدلاً من الحصول على أصدقاء".

أما من حيث البنية الأمنية الإقليمية، فإن الصين لا تدعم الأمن المطلق لأي قوة واحدة في المنطقة، بل سعت لنظام يوازن بين مصالح مختلف الدول. بالنتيجة فقد سعت لتشجيع ترتيبات الأمن الجماعي. ومع ذلك فإن الموقف الاستراتيجي الصيني في المنطقة يتغير، ليصبح أكثر نشاطاً عند تعزيز وجودها. وفي عهد الرئيس شي جين بينغ تبنت الصين دوراً في الأمن الإقليمي لأول مرة، من خلال مساهمتها في تحقيق الأمن البحري على سبيل المثال. وقد صرح المشاركون بأن هذا سيشكل منطقة ذات أهمية متزايدة، مشيرين إلى أن دور الصين في المنطقة قد دخل مرحلة جديدة. ظهر ذلك بشكل واضح من خلال إجلاء القوات البحرية الصينية للمواطنين الصينيين من اليمن عام 2015، ما أكد على الضرورة المتزايدة للوجود المادي في المنطقة، لحماية المصالح الصينية. وهذا يعكس تطوراً أوسع للوجود العسكري الصيني في المنطقة، الذي انتقل من دعم مشاريع البناء في البداية، وتقديم الدعم الطبي، إلى نشر وحدات قتالية الآن كجزء من بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في جنوب السودان على سبيل المثال، وكذلك أثناء عمليات مكافحة القرصنة في خليج عدن.

تمت أيضاً مناقشة إمكانيات التعاون الصينية الأمريكية. وأشار المشاركون إلى أنه في حين أن الولايات المتحدة والصين تحددان "الاستقرار" الإقليمي بشروط مختلفة كثيراً في سياق الشرق الأوسط، إلا أن تعاون القوى العظمى يبقى جزءاً من النهج الصيني في المنطقة. في حين تبقى الولايات المتحدة الضامن الأمني المهيمن، فإن المشاركة الإقليمية للصين ستنمو فقط، على الرغم من أنه حتى تاريخه، كانت الصين مقتنعة تماماً بـ " الرحلة المجانية " فيما يتعلق بالالتزامات الأمنية. على هذا النحو، فمن المهم تحديد المجالات التي توائم بين المصالح الصينية والأمريكية. وهنا تمت مناقشة تأثير محاولات الاحتواء الأمريكي للصين، من خلال دعمها للهند على سبيل المثال. وتساءل المشاركون إلى الحد الذي تحشد الصين له ضد هذا الاحتواء في الشرق الأوسط، من حيث مبادرتها لطريق الحرير، والتوسع البحري، وما إلى ذلك.

سلط المشاركون الضوء بشكل عام على عدم وجود "استراتيجية كبرى" صينية في الشرق الأوسط. وعلى النقيض من أفريقيا مثلاً، لم تتم صياغة "ورقة بيضاء" للشرق الأوسط، وأشاروا إلى أنه بدلاً من ذلك، فإن موقف الصين هو في الغالب رد فعل وليس نشاطاً. ويتفاقم هذا من خلال حقيقة أن معرفة الصين في الشرق الأوسط محدودة في عمقها. وسلط المشاركون الضوء أيضاً على الحاجة إلى استكشاف المناقشات الصينية الداخلية حول دور الصين في الشرق الأوسط، من حيث المؤسسات الأكاديمية والسياسية على سبيل المثال. فضلاً عن دراسة آليات الدولة الأساسية التي توجه العلاقات الصينية – العربية وتحدد الجهات المؤسسية الفاعلة في الصين، وأدوار كل منها، والتفاعل المتبادل بينها، وذلك للوصول لفهم أعمق للصين في الشرق الأوسط.

.

المقال بقلم ديونيسيس ماركاكيس، باحث مشارك في مركز الدراسات الدولية والإقليمية