السياسات الطائفية في منطقة الخليج – فريق العمل 2

عقد مركز الدراسات الدولية والإقليمية اجتماعا لفريق العمل الثاني لإتمام أعمال المبادرة البحثية التي حملت عنوان "السياسات الطائفية في منطقة الخليج"، يومي 15 و16 مايو 2012. ودعا المركز الخبراء والمتخصصين في هذا المبحث إلى العودة إلى الدوحة للمرة الثانية لعرض الأوراق البحثية التي قاموا بتقديمها إلى الجهة المنظمة والاستماع إلى ملاحظات وآراء سائر أعضاء الفريق. يقوم المركز بجمع هذه الأوراق في دراسة شاملة، تحمل عنوان: السياسات الطائفية في منطقة الخليج. عٌقد الاجتماع الأول لفريق العمل في 9 و10 أكتوبر 2011.

بدأ أعضاء فريق العمل الاجتماع بمناقشة التعريفات التخصصية التي توصلوا إليها لمصطلحي "طائفي" و"طائفية". لم تتفق الأدبيات المختلفة التي تناولت هذا المبحث على تعريف واحد لهذه المصطلحات يمكن الاعتماد عليه. والحقيقة أن مشروع مركز الدراسات الدولية والإقليمية لا يهدف إلى اختزال مصطلح "طائفي" في تعريف واحد، وإنما إلى الكشف عن التنوع الهائل الذي يعكسه جوهر الموضوع، ولإخضاع تعقيداته وتركيباته للجدل والسجال البحثي. رغم الدلالات الدينية القوية – والسلبية، في الغالب – التي ينضوي عليها مصطلح "طائفي"، إلا أنه لا يقوم ببساطة على الاختلاف الديني وحده، بل يشمل، إلى جانبه، خليطا متعدد الأوجه من المحددات الجماعية التي تبدأ بالسمات العرقية والقبلية، وصولا إلى المعتقدات والتوجهات السياسية والفلسفية. ورغم الافتراضات النظرية والمعرفية العديدة التي تشكل هذا الخطاب، أجمع الباحثون على أن هذه المغايرة هى التي ألهمت البحث العلمي مزيدا من الدراسات عن الفروق والاختلافات التي ينضوي عليها مصطلح "طائفي"، لا سيما في سياق تحليل الثورات العربية. 

أكد المشاركون أيضا على الطبيعة الشرطية للقضايا الطائفية، وبحثوا أسباب بروز الاختلافات العرقية والدينية إلى السطح في بعض المجتمعات الخليجية دون غيرها. 

تضمنت الموضوعات التي تباحثها الحاضرون دراسة مجتمعات البلوش في دول الخليج العربي، والمجتمعات السنية والشيعية في كل من العراق والبحرين والمملكة العربية السعودية وإيران، والهوية والسياسات في ضوء ارتباطهما باللغة والدين والعرق ووضع الأقليات القومية والانتماء القبلي، والمزيج التاريخي العالمي من الأعراق في عمان، إضافة إلى دراسات أخرى تتناول تاريخ الجماعات الطائفية في دول الخليج العربي. 

تضم أغلب دول منطقة الشرق الأوسط مجتمعات غير متجانسة، بسبب نشأتها في ظل الإمبراطوريات الاستعمارية، التي انفرط عقدها في وقت لاحق. تألفت المستوطنات الساحلية في منطقة الخليج من رحم ثقافات بحرية، قامت على استخراج اللؤلؤ والصيد والتجارة، مما فتح أمام القبائل آفاق السفر والتنقل بحرية مطلقة عبر الطرق المائية، والاختلاط بالثقافات الأخرى، وتجاوز الحدود التعسفية التي وضعتها الدولة القومية الحديثة. في أعقاب الاستقلال، كان على الدول الخليجية - التي تشكلت حديثا – التعامل مع حقيقة تفكك النظام السياسي القديم، وطفقت العديد من الجماعات العرقية والقبلية والدينية تطالب بالزعامة السياسية، مما دفع بالمنطقة إلى أتون صراعات طائفية كانت خاملة أو خامدة أو لا وجود لها في الماضي. على إثر ذلك، بذلت الجماعات التي تقلدت السلطة قصارى جهدها من أجل تكوين هوية جديدة للدولة، تقوم في الغالب على تمجيد التاريخ الطائفي أو القبلي للنظام الحاكم على حساب سائر الطوائف والقبائل.

كان من الضروري الترسيخ لهذه التوجهات الجديدة التي نشأت في ظل هذه الحقبة – غير المسجلة في أغلب الأحول – في الدول الشرق أوسطية الجديدة، لخلق شعور جديد يقوم على النزعة القومية، ولدعم الشرعية السياسية للنظام الحاكم. شرعت الأنظمة الحاكمة بعد ذلك في تمرير رواية رسمية عن نشأة الدولة، لا تعكس - في أغلب الأحوال -  حقيقة التنوع والتباين القائمة على الأرض.

اتفق المشاركون على أن الإشارة التاريخية إلى النقاء الثقافي والقبلي يمثل عرضا من أعراض الحداثة، لأن الدولة القومية الحديثة تسعى إلى إعادة بناء هويتها الثقافية، بعد سنوات من الكفاح ضد المستعمر. لذا، ضمت هذه الدول الجيل الأول من المواطنين الذي نشأ في ظل الهوية القومية، وليس الهوية الإقليمية - تلك العملية التي لم تسلم من الاحتكاك بمفاهيم الهوية. لذا، تبذل الدولة جهودا جبارة في تبني ورعاية مشاريع التراث الوطني والتجديد، ونشر أفكار الولاء للوطن، بدلا من الولاء لشريحة مجتمعية أو مذهب طائفي. واليوم، تضطلع وسائل الإعلام بأدوار محورية متزامنة، لتثمين الوحدة الوطنية وتعزيز الانقسامات الطائفية. وتبرز شبكة الجزيرة بصفة خاصة في هذا المضمار، حيث منحت الفرصة لمناقشة والتعبير عن الخطاب الإقليمي المتشظي، المغلف بالعديد من الموضوعات الشائكة والمحرمة التي تحيط بالقضايا الطائفية.

أجمع الباحثون أيضا على أن أكثر القضايا الخلافية التي تحيط بالسياسات الطائفية في دول الخليج تصدر بصورة أساسية عن توزيع أنصبة الاقتصاد الريعي والمكانة السياسية التي تتبوأها الجماعات المميزة على حساب الأخرين، نتيجة قواعد توزيع هذه الأنصبة. على سبيل المثال، ترجع أغلب الاحتجاجات الجماهيرية التي اندلعت في البحرين بشكل كبير إلى حالة الإحباط الاجتماعي والاقتصادي، الناتجة في الأساس عن الانتماءات الطائفية. كما أكد المتحاورون ضرورة بحث الخيارات التي تتبناها الأنظمة الحاكمة، سواء باستيعاب هذه العناصر الطائفية أو بإخضاعها، اعتمادا على فائض الثروات والأرباح التي ترغب الدولة في توزيعها.

ولا يختلف الحال كثيرا في العراق، حيث يثير الصعود الشيعي، في ظل النظام السياسي الجديد، قلق الحكومات السنية، التي لا تطمئن كثيرا إلى ولاءات المجموعات الشيعية في دولهم. يتضح هذا بصورة جلية في الأحداث التي شهدتها البحرين مؤخرا، وما أعقبها من تدخل عسكري من قبل المملكة العربية السعودية للسيطرة على الاحتجاجات. أكد المشاركون أيضا أن الأحداث الأخيرة كشفت عن التأثير المباشر الذي تخلفه الصراعات الطائفية في إحدى دول الخليج على الدول الأخرى. لا يمكن تناول القضايا الطائفية – إذا – باعتبارها قضية وطنية تتعلق بدولة خليجية دون أخرى، وإنما باعتبارها ذات تأثير مباشر وعميق على كافة الدول وعلى مكونات الهوية التي تنضوي عليها. 

يمثل التحليل الموضوعي للجماعات الطائفية المختلفة في منطقة الخليج – في أعقاب الربيع العربي – بعدا جوهريا لفهم المجموعات المهمشة والمغبونة، التي وجدت فضاءا للتعبير عن غضبها، من خلال الثورات الشعبية الناجحة التي اجتاحت دولا متعددة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. والحقيقة أن المبادرة البحثية التي دشنها مركز الدراسات الدولية والإقليمية لا تهدف فقط إلى دراسة الطوائف الاجتماعية المختلفة التي تعاني من التهميش، وإنما إلى إلقاء الضوء أيضا على الطوائف الأخرى التي تعيش بشكل سلمي وتنظر إلى نفسها باعتبارها جزءا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي لدول الخليج.

 

 

المشاركون والمناقشون:

  • زهرة بابار، مركز الدراسات الدولية والإقليمية، كلية الشؤون الخارجية في قطر، جامعة جورجتاون
  • لويس بيك، جامعة واشنطن في سانت لويس
  • كريستين سميث ديوان، الجامعة الأمريكية
  • مايكل دريسين، مركز الدراسات الدولية والإقليمية، كلية الشؤون الخارجية في قطر، جامعة جورجتاون
  • رينود فابري، كلية الشؤون الخارجية في قطر، جامعة جورجتاون
  • مارك فرحة، كلية الشؤون الخارجية في قطر، جامعة جورجتاون
  • جوستن جينجلر، جامعة قطر
  • فنار حداد، جامعة لندن
  • مهران كامرافا، مركز الدراسات الدولية والإقليمية، كلية الشؤون الخارجية في قطر، جامعة جورجتاون
  • جاكي كير، كلية الشؤون الخارجية في قطر، جامعة جورجتاون
  • سوزي ميرغاني، مركز الدراسات الدولية والإقليمية، كلية الشؤون الخارجية في قطر، جامعة جورجتاون
  • ماري لومي، مركز الدراسات الدولية والإقليمية، كلية الشؤون الخارجية في قطر، جامعة جورجتاون
  • جون بيترسون، جامعة أريزونا
  • لورنس بوتر، جامعة كولومبيا
  • نادية تالبور، مركز الدراسات الدولية والإقليمية، كلية الشؤون الخارجية في قطر، جامعة جورجتاون
  • مارك فاليري، جامعة إكستر

 

كتب: سوزي ميرغاني، مدير ورئيس تحرير منشورات مركز الدراسات الدولية والإقليمية