الجاليات العربية المهاجرة في منطقة مجلس التعاون لدول الخليج العربية

عقد مركز الدراسات الدولية والإقليمية الاجتماع الختامي لفريق عمل المشروع البحثي الجاليات العربية المهاجرة في دول مجلس التعاون في الدوحة خلال يومي 15 و 16 مارس 2014. فقد اجتمع متلقو المنحة الخاصة بهذه الدورة من المنح البحثية مع مجموعة إضافية من الخبراء والباحثين في شؤون الهجرة لمناقشة نتائج بحوثهم وتلقي تعقيبات على مسودات أوراقهم المقدَّمة. وقد راوحت موضوعات البحوث من السياسات العامة للهجرة في مجلس التعاون وآثار تطبيقها على توزع الجنسيات بين السكان، حتى دراسات حالة إثنوغرافية محددة تسلط الضوء على المغتربين العرب في الخليج.

منذ بداية الاقتصاد النفطي في الخليج في الخمسينات حتى الوقت الحاضر، تأرجحت تدفقات الهجرة العربية إلى دول مجلس التعاون، إلى حد كبير، تبعاً للسياق الجيوسياسي الإقليمي في الشرق الأوسط وتأثيره على سياسات الهجرة الوطنية. ففي حين شكل المهاجرون العرب مكوناً كبيراً من الجاليات الأجنبية حتى الثمانينات، فقد تضاءل وجودهم في الخليج، حيث صار عدد المهاجرين الآسيويين من الشرق حالياً يفوق بكثير عدد العرب غير الخليجيين. وأوضح المشاركون أنه على الرغم من أن كثيراً من الأدبيات ترجع هذا التحول إلى السياق الجيوسياسي والتنمية السريعة، فإن التغيرات التي تلت ذلك في اقتصادات دول الخليج وزيادة الطلب الكلي على العمالة منخفضة المهارة من قبل القطاع الخاص قد ساهم أيضاً في تغير تركيبة العمالة الوافدة. تشير بيانات العمل في قطر إلى أن العرب من غير المواطنين في القوى العاملة القطرية يظهرون في الغالب في القطاعات التنظيمية والإدارية، وفي الأنشطة المهنية والعلمية والتقنية، والخدمات. وفي مهن معينة - مثل التعليم – يستمر الوجود الثابت والمهيمن للوافدين العرب، الأمر الذي يرجع في المقام الأول إلى الانتماء اللغوي والثقافي المشترك مع المواطنين، ولهذا لا يظهر الطلب على المعلمين العرب في المنطقة أي علامات على التراجع. هذه الهويات المترابطة التي يسهل اختراقها، إلى جانب الدور المتكامل للمهاجرين العرب في التدريس وتنمية الطفل، أدت إلى ما يطلق عليه البعض "تمصير" التعليم والثقافة واللهجات المحلية. وهكذا، بينما تستقدم الحكومات الخليجية العمالة للقطاعات الاقتصادية التي لا تتطلب سوى مهارات منخفضة من مناطق جغرافية مختلفة، يظل وجود المهاجرين العرب مهيمناً في القطاعات التي تتطلب بعض الصلات الثقافية واللغوية والدينية المشتركة.

ترافق الارتفاع في استيراد العمالة منخفضة المهارة مع زيادة الطلب على المهاجرين ذوي المهارات العالية نظراً لسعي دول مجلس التعاون إلى تطوير الاقتصادات القائمة على المعرفة. وقد ناقش المشاركون مسألة المهاجرين العرب ذوي المهارات العالية، ولاسيما تلك الصادرة عن بلدان طاردة للهجرة مثل لبنان. وضمن هذه المجموعة، هناك أعداد كبيرة من المهاجرات من ذوات المهارات العالية اللواتي يتحدين الفكرة التي تقول عادة أن معظم المهاجرين العرب إلى الخليج من الذكور. وعلاوة على ذلك، تشير دراسات أجريت في لبنان إلى أن نسبة كبيرة من اللبنانيات المهاجرات إلى الخليج غير متزوجات، مما يقوض أيضا التصور القائل إن المهاجرات موجودات فقط بصفتهن "مكفولات تحت الرعاية" في دول الخليج.

إلى جانب التركيبة السكانية والتقسيم الطبقي الاقتصادي، ناقش أعضاء فريق العمل قضايا الهوية والحدود الوطنية، والاندماج الاجتماعي والإقصاء، والتجارب اليومية للمغتربين العرب. فقد أشارت مقابلات مع لبنانيين من ذوي المهارات العالية في الكويت إلى أن التفاعل والتكامل مع المواطنين لايزال محدوداً، مع أن منطقة الخليج لاتزال تشكل وجهة جذابة للعمل. ويعزى هذا في الغالب إلى عدم توفر مسارات للحصول على المواطنة في الخليج مقارنة بوجهات مرغوبة أخرى مثل الولايات المتحدة أو أوروبا. وترددت مشاعر الاستبعاد هذه أيضاً من قبل المصريين المقيمين في الكويت، الذين وصفوا إقامتهم على أنها عابرة وزائلة. ومع أن الوجود طويل الأمد للمجتمعات المصرية في الخليج قد تجلى فعلياً في مناطق مثل خيطان والفروانية- التي وصفت من قبل البعض بأنها "القاهرة في الكويت"- فليس من غير المألوف أن نسمع من المهاجرين المصريين في الكويت مشاعر تعكس الوجود المؤقت والعلاقات العابرة.

غير أن هذه المشاعر حول غياب التكامل ومحدودية الاندماج لا تكشف عن نفسها بشكل موحد في جميع الجاليات العربية. فقد شهد وجود العرب في المنطقة لعقود طويلة تفاوتاً في تجارب أجيال المهاجرين ومواقفهم في الخليج. حيث بينت دراسة للفلسطينيين في دولة الإمارات العربية المتحدة أن الجيل الثاني من المهاجرين يميل إلى الاختلاط مع الإماراتيين أكثر بكثير من الجيل الأول، وأنه يشعر بالتالي باندماج أكثر. بينما يكشف مهاجرون آخرون عن التوترات بين أجيال أسرهم وكفلائهم في الخليج، كما أظهرت دراسة الجيل الثاني من المهاجرين الحضرميين العاملين في الخدمة المنزلية في الكويت. فبينما أدرك الجيل الأول من الحضرميين أن النجاح والاعتماد على المنازل التي يخدمون فيها متشابكان إيجابياً، رأى الجيل الثاني في هذه العلاقة إشكالية تعوق حراكهم الاقتصادي والاجتماعي.

ناقش المشاركون أيضاً توقعات الجيل الثاني من المهاجرين العرب وتصوراتهم بالمقارنة مع الجنسيات الوافدة الأخرى ومع مواطني دول مجلس التعاون ضمن بيئة الجامعة. وبالنظر إلى أن السياق الجيوسياسي في المنطقة سوف يواصل لعب دور كبير في ممارسات الهجرة، فإن تصورات الطلاب حول الانتفاضات العربية وتأثيرها الاجتماعي والاقتصادي على المنطقة ككل أمر حيوي.  تشير إحدى الدراسات، على سبيل المثال، أن وجهات نظر الطلبة حول مستقبل الشرق الأوسط ليست مفرطة في التفاؤل. لكن الأمر المستغرب أن البطالة لاتزال مصدر قلق كبير للشباب، سواء منهم مواطنو دول مجلس التعاون أو الوافدون العرب. وعلى هذا النحو، سيكون لمدى استمرار أسواق العمل الخليجية في استيعاب المهاجرين العرب، على الرغم من القلق بشأن بطالة المواطنين، انعكاساتٌ مهمة على ممارسات الهجرة الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط والخليج.

كتبت المقال دعاء عثمان، محلل البحوث في مركز الدراسات الدولية والإقليمية