التغيير الاجتماعي في إيران ما بعد الخوميني – فريق العمل 1

دشن مركزالدراسات الدولية والإقليمية إحدى مبادراته البحثية الجديدة للعام الدراسي 2012 – 2013، تحت عنوان "التغيير الاجتماعي في إيران ما بعد الخميني"، يومي 20 و21 ديسمبر 2012 في مدينة الدوحة. تناول الباحثون الدوليون والإقليميون على مدار يومي الاجتماع الملامح السياسية والاقتصادية والاجتماعية للتحولات الداخلية التي تشهدها الجمهورية الإسلامية. وقدمت مجموعة العمل – من خلال منهج بحثي متعدد التخصصات – تحليلا عميقا للتطورات التي شهدها المجتمع الإيراني في حقبة ما بعد الخميني، أبرزوا من خلاله التوجهات الاجتماعية والثقافية المعاصرة.

ناقش أعضاء فريق العمل المصادر التي تقوم عليها شرعية النظام الإيراني واستراتيجيات بقائه ومدى نجاحه في التوغل في المجتمع على مدار ثلاثة وعشرين عاما خلت. تطرقت المناقشات أيضا إلى الدور الذي اضطلعت به مؤسسات الدولة الكبرى، مثل ولاية الفقيه والبونياد، إضافة إلى النخبة الاقتصادية والسياسية في إيران المعاصرة. وتوصل الحاضرون إلى نجاح مؤسسة ولاية الفقيه في كسب المزيد من القوة السياسية (وليس التأثير الديني) في السنوات التي أعقبت حكم الخميني، ولا تزال هذه المؤسسة تحقق نجاحات في توسيع نطاق قوتها وقدرتها المؤسسية في فضاء الجمهورية الإسلامية، رغم رفض العديد من آيات الله العظمى في قم لسلطتها.

في السياق ذاته، تمثل البونياد مؤسسات موازية للدولة، حيث شهدت تطورا كبيرا في السنوات الأخيرة، جعل منها مصدرا تستمد منه الدولة قوتها الاقتصادية والسياسية، وذلك نتيجة للدور الذي تضطلع به البونياد لتلبية احتياجات المتضررين اقتصاديا، ومن ثم تسهم في بناء القاعدة الشعبية التي تدعم النظام. ورغم ما توسم به هذه المؤسسة من فساد وعدم فاعلية، إلا أن دورها في توزيع الهبات والمعونات السخية المقدمة من الدولة يساعد النظام على بناء قاعدته الاجتماعية وبسط سلطانه على الأجزاء الريفية المهمشة من البلاد.

أشار عدد من المشاركين إلى محدودية الشرعية السياسية والدينية التي يتمتع بها النظام في إيران، جراء رفض الأغلبية الصامتة من الشعب الإيراني الفلسفة والأساس الذي يقوم عليه. وأكد المشاركون أن إيران تشهد تطورا اجتماعيا يفند مزاعم الخطاب الأيديولوجي الذي ارتبط في أغلب الأوقات بالجمهورية الإسلامية، وعزوا القدرة المؤسسية التي يتمتع بها النظام الحاكم الإيراني إلى الاستعانة بأهل الثقة على حساب أهل الخبرة والاختراق المؤسسي الذي يمارسه.

واتفق أغلب المشاركين على أن المجتمع الإيراني يشهد حالة من الانقسام بين أسلوب الحياة الذي اختاره الإيرانيون لإنفسهم وما تريد أن تفرضه الدولة عليهم. وتوصل بعض الباحثين إلى أن البزوغ التدريجي لليبرالية في الفكر والمجتمع الإيراني في حقبة ما بعد الخميني إنما مرده إلى عجز الدولة عن كسب التأييد والدعم الأيديولوجي، مما أدى أيضا إلى ظهور النزعة الفردية الإيجابية في المجتمع، التي تراجع معها دور الدين كمرجعية سياسية، ليحل محله التسامح وقبول الآخر، لا سيما في الأوساط الشبابية. وتشير عمليات التحديث التي تشهدها الديناميكيات الأسرية، والتي يمكن قياسها من خلال انخفاض معدلات المواليد وارتفاع سن الزواج وتراجع المفاهيم الخاصة بعدم المساواة بين الجنسين، إلى التحولات الكبرى التي يشهدها المجتمع الإيراني في السنوات التي أعقبت الثورة.

بحث المشاركون أيضا التوجهات العقلية الدينية والعلمانية في إيران، بدءا من حقبة ما قبل الثورة إلى وقتنا الراهن، من حيث العقيدة الدينية الصحيحة والزندقة، والإصلاح والتجديد الديني، ونقد العلمانية. تميزت التوجهات داخل إطار العقيدة والزندقة بالتحول من الإسلام السمح في حقبة ما قبل الثورة إلى الإسلام المتشدد الذي تفرضه الدولة وتقوم على رعايته في الوقت الحالي. وفيما يتعلق بالإصلاح والتجديد في الإسلام، تحولت القراءة الليبرالية للإسلام إلى حركة إصلاح راديكالي، كما يمثلها إصلاحيو الحركة الخضراء في السنوات الأخيرة. وأخيرا، اتفق الباحثون على تحول نقد العلمانية من القومية الليبرالية إلى العلمانية الليبرالية.  

مرت الدولة الإيرانية على مدار الأعوام العشرين الماضية بالعديد من التحولات والتقلبات على مستوى اقتصادها المتنامي، حيث ساعد الانتقال من الاقتصاد المغلق الذي يخضع لإدارة الدولة إلى الاقتصاد المنفتح والمتنوع نسبيا على ظهور عقلية اقتصادية تسترشد بالقومية القائمة على التكنولوجيا. ناقش المشاركون أيضا توريق القرارت التجارية المقرونة بالقومية القائمة على التكنولوجيا، والتأثير الإيجابي الذي تركته هذه السياسة على التنمية التجارية وتطوير المشروعات في إيران، حيث تحولت جهود مجتمع المال والأعمال في إيران إلى التركيز على الكفاءة والربحية والابتكار.

على النقيض من التصورات السلبية الشائعة عن التأثير السلبي للعقوبات الدولية على الاقتصاد الإيراني، بحث المشاركون التأثير متعدد الأوجه الذي خلفته هذه العقوبات على التنمية التجارية وتطوير المشروعات في إيران. فرغم المعاناة التي كابدتها الطبقة المتوسطة الإيرانية جراء هذه العقوبات، حث الحظر الذي فرضته القوى العالمية على مسارات الاستيراد الاعتيادية المستثمرين في إيران على تنويع أنشطتهم، كما أدى أيضا إلى مزيد من أقلمة المشروعات الإيرانية.

تعرض إيران صورة تمزج بين الاجتماعي والاقتصادي، وتحتفظ لنفسها بالمرتبة العاشرة في مؤشر التنمية البشرية في الشرق الأوسط، إضافة إلى مرتبة متوسطة من حيث الدخل بين الدول النامية. ويشير عدم وجود جيوب عميقة للفقر وقدرة الدولة على توفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين - التي تشمل الغذاء والكهرباء والماء - إلى عدم الإحاطة الكاملة من قبل الدولة بأوضاع الفقراء في إيران. إضافة إلى ذلك، فإن التأطير الحالي للشباب المهمش في المنطقة بوجه عام يرسم لهم صورة تعكس انسحابهم من الاوضاع الاجتماعية والسياسية القائمة، وتبنيهم أفكار الإسلام السياسي الأكثر راديكالية. لكن، تظل هذه الاستنتاجات التي تجعل الفقراء أكثر عرضة للتطرف غير مدعومة بالأدلة التجريبية، وتظل الحاجة إلى مزيد من الجهود البحثية لدراسة استجابة الفقراء الإيرانيين في الأماكن الحضرية للفقر والتهميش قائمة.

من ناحية أخرى، تسير إيران بخطى ثابتة نسبيا في قطاع التعليم، في ظل تراجع مؤشرات عدم المساواة على أساس الجنس والمنطقة الجغرافية. كما أن حالة التضخم التي يعانيها الشباب الإيراني لا تختلف كثيرا عن تلك التي يعانيها نظراؤهم في سائر دول المنطقة، والتي تتجلى في عجز سوق العمل عن استيعاب هذا الكم من الشباب، مما يؤدي إلى وجود مشكلات تتعلق بتوظيف الشباب الذي أكمل مراحل تعليمه.

ناقش المشاركون أيضا التحولات الديموغرافية، وتأثيراتها على المجتمع الإيراني، حيث أدى تراجع معدلات المواليد وتراجع نسبة الذكور إلى الإناث وارتفاع معدلات التعليم بين النساء إلى تأخير سن الزواج.

وفي سياق مكانة المرأة وقضية الزواج، عكف الباحثون على مناقشة التطور التشريعي، فيما يتعلق بإعادة العمل بقانون الأسرة وإعادة تأسيس محاكم الأسرة، وتأثير ذلك على مكانة المرأة في المجتمع الإيراني، حيث ارتأى أعضاء فريق العمل أن قوانين الأسرة، لا سيما قوانين الطلاق، تركت أثرا غير متعمًد، أدى إلى بروز النزعة الذاتية لدى المرأة الإيرانية جراء أدوار التقاضي المتنامية التي تقوم بها.

كما أكد المشاركون في المناقشة أن التعديلات المستمرة في قوانين الزواج تصدر عن مستويات متباينة داخل المجتمع الإيراني.

يتمتع المجتمع الإيراني بدرجة عالية من العلم والثقافة، لذا تحظى الأجيال الإيرانية المتعاقبة بثروة هائلة من الأعمال الشعرية والنثرية وأعمال الأدب اللا قصصي، كما أنتجت قريحة أجيال الشعراء والأدباء الإيرانيين أعمالا أدبية ذات بعد سياسي. لذا، ناقش المشاركون بعض الأعمال الأدبية التي تنتمي تاريخيا إلى حقبة ما بعد الثورة، مع التركيز على الأعمال النسائية والدور الذي اضطلع به النوع "الجندر" في الأدب. شهدت حقبة ما بعد الخمينية صعودا جليا للكاتبات الإيرانيات اللاتي عبرن عن خلفيات اجتماعية واقتصادية متعددة ومتنوعة. كما ساهمت الكاتبات الإيرانيات في الخارج بدور فعال من خلال الكتابات التي انتقدت الواقع الاجتماعي والسياسي الإيراني، إضافة إلى الدور الإيجابي الذي قام به مجتمع المهجر بشكل عام، الذي جمع بين ثقافة الوطن والمهجر، في رسم ملامح الخطابين المحلي والدولي عن الجمهورية الإسلامية.  


كتب: دعاء عثمان، محللة أبحاث في مركز الدراسات الدولية والإقليمية