إنتخاب ترامب والحاجة لحركة جماعية لإصلاح دستوري

في خطابه الذي ألقاه في الثالث والعشرين من نوفمبر 2016، تحدث أستاذ السياسة الدولية بجامعة جورجتاون في قطر "أناتول ليفين" عن الانتخابات الرئاسية الأخيرة في الولايات المتحدة في سياق يتعلق بالدستور الأمريكي. فاليوم ينظر الكثيرون من الأمريكيين إلى الدستور الأمريكي باعتباره مقدساً، ويرفضون أي محاولة مهما كانت صغيرة لتعديله، وذلك على الرغم من أن الدستور خضع قبل ذلك لنحو 27 تعديلاً متعاقباً طوال تاريخيه. وتأتي تلك الرابطة العاطفية من الأهمية المحورية التي يحظى بها الدستور بالنسبة للوطنية الأمريكية والهوية، ولنجاحه في تأطير الولايات المتحدة أثناء نموها لتصبح أقوى دولة على الأرض.

وهذه لاتعد مشكلة حقيقية إذا نجح النظام في تقديم حكومة جيدة وتحقيق سلام اجتماعي بتراضي الجميع. ولكن يقول ليفين: "أخشى أن تكون قدرة الدستور الأمريكي على تحقيق ذلك، بصورته الحالية، تتقلص تدريجياً. وفي ظل الأوضاع التي يعيشها العالم اليوم، يبدو أن الدستور يعمل بدرجة أكبر لمصلحة قطاع واحد بعينه من الشعب الأمريكي والسياسة الامريكية، وهي بالتحديد فئة المحافظين البيض، من غير المستعدين للتخلي عن مميزات يمنحهم إياها النظام". 
يحذر لافين قائلا: "أجرت الديمقراطيات الغربية الأخرى تغييرات على دساتيرها على مدى سنوات، ولكن الأنظمة التي حظيت بقدر من النجاح مماثل لما حققته الولايات المتحدة ستجد صعوبة كبيرة في إجراء أي تغيير. ولكن بغض النظر عن أي نجاح حققته في الماضي، فإن أي نظام غير قادر على اجراء تغييرات عملية ومحدودة قد يكون عرضة لمتاعب ومشكلات خطيرة. لقد فازت هيلاري كلينتون بأغلبية الأصوات على المستوى الشعبي، ولكن ترامب فاز لحصوله على أغلبية أصوات الكلية الانتخابية. ونفس الشيء حدث مع آل غور وجورج بوش عام 2000، وعلى حد علمي لا يوجد في العالم دول أخرى تعمل بهذا الأسلوب سوى الولايات المتحدة". 

لقد تم تقليص الحملات الانتخابية في انتخابات الرئاسة الامريكية إلى خمس عشرة ولاية مؤثرة فقط، وهي الولايات اللازمة للفوز بأغلبية أصوات الكلية الانتخابية، بينما يتم تجاهل الولايات الخمس والثلاثين الأخرى بدرجة كبيرة. وقد أدى هذا الوضع إلى خلق صورة غريبة للديمقراطية الأمريكية في العالم. ويتساءل لافين: "هل الولايات المتحدة هي في الواقع دولة ديمقراطية؟ والإجابة البديهية هي "لا"، ليست دولة ديمقراطية، لأنه لم يكن الهدف من إقامتها أن تكون ديمقراطية" لقد كان مؤسسو الدولة تساورهم شكوك ضخمة بشأن الديمقراطية، التي ربطوها بالتهديد بالفوضى وحكم الغوغاء الذي يؤدي في النهاية إلى الطغيان، حسبما يقول لافين. إنهم يضعون عوائق ضد الديمقراطية في الدستور، واستغرق الامر نحو أربعة عقود حتى أصبح الولايات المتحدة دولة ديمقراطية على نحو ما، وكان هذا يعني في حينه أنه يسمح لكل البيض البالغين بالتصويت.

كانت نوايا المؤسسين أن يخلقوا نظاماً يمنع الطغيان والاستبداد بالحكم بينما يوفر حكومة جيدة الى حد ما ولكنها محدودة. ويضيف لافين : " كان الهدف هو إنشاء نظام يستمر طويلا، ينشئ مؤسسات يمكنها الوساطة والمصالحة بين المصالح المختلفة، بين 13 ولاية تختلف تماما عن بعضها البعض. وقد كان من شأن هذا أن يحقق نوعاً من التوازن بين سلطة الولاية وسلطة الحكومة المركزية. ولاتزال المعركة الدارة حول حقوق الولايات البالغة الأهمية حتى في الوقت الحالي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضايا عرقية وثقافية، وهذا ما أدى إلى انفصال الجنوب قبيل نشوب الحرب الأهلية، فضلاً عن المعارك التي دارت رحاها في الفترة ما بين الأربعينيات والستينيات من القرن الماضي حول حقوق الولايات، حيث كافح الجنوب الأبيض للحفاظ على الفصل والتمييز العنصري.

وبينما تحولت بعض أدوات الدستور الفعالة، فإن المؤسسات الرسمية مثل الكلية الانتخابية ظلت على حالها، حيث اعتبرها المؤسسون بمثابة برلمان مؤقت، أو مجلس وطني منتخب من المشرعين المستقلين الذين أدلوا بعهود ووعود إلى ناخبيهم، ولكنهم كانوا أيضا أحراراً في اختيار الرئيس على هواهم. وفي هذا السياق، كانت الانتخابات الديمقراطية المباشرة في المرتبة الثانية، حسبما يقول لافين الذي يضيف:"واليوم لدينا وضع تظل فيه الكلية الانتخابية غير ديمقراطية الى درجة بعيدة، ولكنها مرتبطة ديمقراطيا بالمرشح الذين وعدوه مقدماً بالتصويت له". 

عندما تم وضع صياغة للدستور، كان لأكبر الولايات نحو إثني عشر ضعف عدد سكان أصغر الولايات، وبينما كانت معظم الولايات متقاربة من حيث عدد السكان. وفي عام 2010 كانت هناك سبع ولايات يزيد عدد سكان كل منها عن 10 ملايين نسمة، وهذه كان لديها 14 سناتور (عضو بمجلس الشيوخ). وهذه هي الولايات الكبيرة الحضرية، المتعددة العراق ومعظمهم من ذوي الميول الديمقراطية، وهؤلاء يمثلون نحو 45 % من إجمالي عدد سكان الولايات المتحدة. بينما كانت هناك سبع ولايات يقل عدد سكان كل منها عن المليون نسمة في عام 2010، أي يمثلون نحو 2% من إجمالي الشعب الأمريكي. وهؤلاء هم من ذوي الميول الجمهورية ذات الأغلبية من البيض المحافظين، ولديهم أيضا 14 سيناتورا (عضو بمجلس الشيوخ) . هذا يعني أن تمثيل ولاية كاليفورنيا يقل بأربعين مرة عن نسبة تمثيل ولاية ساوث داكوتا.

مشكلة الديمقراطية في مجلس النواب هي مشكلة مختلفة. في الوقت الحالي، يوجد في مجلس النواب، بسبب الحقوق التي تحتفظ بها الولايات بموجب الدستور، 43 ولاية من إجمالي الولايات الخمسين، التي يتم فيها تحديد حدود الدوائر الانتخابية لانتخابات مجلس النواب من قبل المشرعين المحليين في الولاية والموظفين التنفيذين بها، وهؤلاء يمكن التأثير عليهم سياسيا. وهذا على الرغم من أن مجلس النواب كان ينظر اليه دائما على أنه المجلس التشريعي الشعبي المنتخب أعضاؤه بصورة شعبية. ويأتي ترسيم حدود الدوائر الانتخابية لينتج تجمعات تضمن الأغلبية لحزب أو لآخر كأسلوب مفضل ليس فقط لدى البيض المحافظين ولكن أيضا للسود الديمقراطيين، الذين يرونه وسيلة لضمان تمثيل للسود في الكونغرس (ومقاعدهم الخاصة بهم).

كنتيجة لهذا النظام الثابت، فإن انتخابات الرئاسة الأخيرة شهدت فوزا للجمهوريين بالتصويت الشعبي، بهامش أقل من عدد المقاعد التي فازوا بها في مجلس النواب. في انتخابات 2012 خسر الجمهوريون التصويت الشعبي بهامش واسع ولكنهم فازوا بأغلبية المقاعد. عن هذا يقو لافين :" هذا الأمر يثير تساؤلات، ليس فقط عن الديمقراطية، بل إنه يخلق مزيدا من المشكلات في أمريكا برمتها، خصوصا أمريكا مستقطبة." لم تخض سوى نحو 7% فقط من مقاعد مجلس النواب خضعت لمنافسة حقيقية خلال الأربع انتخابات الأخيرة. ونتيجة لهذا يتم بالدفع بالمنافسة السياسية الحقيقية سعياً للحصول على مقاعد مجلس النواب من المنطقة الموضحة ضمن الدستور (الانتخابات) إلى الانتخابات التمهيدية للحزب، بأسلوب يمنح الأفضلية للمتطرفين بشكل لا يمكن تلافيه ويزيد من الاستقطاب – حيث لم تعد هناك حاجة لدى المشرحين للفوز لمرشحين من التيار الوسطي أو الحزب المعارض. ويقول لافين : "تسفر المعارك الانتخابية في الانتخابات التمهيدية للأحزاب دائما، وفي أي بلد، لتغليب كفة الناشطين والمتطرفين". 

قام القضاء بتحدي حالات فردية لرسم خرائط المقاطعات، ولكن كما يقول لافين:" يبدو من الواضح أنه ينبغي القيام بهذا الأمر، ولكن ليفين يقول "إنه يبدو من الواضح أن هذا الأمر ينبغي أن يتم التعامل معه كما هو الحال في الديمقراطيات الأخرى، وهو تشكيل لجنة انتخابية وطنية محايدة – لا يتم اختيارها على أسس سياسية - تقوم بتوزيع المقاعد، وأن تكون دائما خاضعة لإشراف قضائي، وينبغي على المحكمة العليا أن تصدر أحكامها بموجب الدستور، ومن الصعب تحدي النظام برمته دستوريا، إذا ما أخذنا في الاعتبار قوة حقوق الولايات.

ويضيف لفين: "علاوة على ذلك، فإن ثمة فقرة غريبة في الدستور تمنح المحكمة العليا سلطات أقوى بكثير من أي محكمة عليا معروفة في العالم. وهي صلاحيات تشريعية وليست قضائية فقط فقد عكفت المحكمة العليا على سن القوانين ولم يقتصر دورها على تفسير القوانين فقط، فقد شرعت قوانين جديدة كان من شأنها تغيير جوانب من الحياة الأمريكية بشكل جذري. وعند إضافة الأحكام الدستورية إلى حقيقة أن قضاة المحكمة الدستورية يتم اختيارهم من قبل الرئيس وهم معينون مدى الحياة، ومع بلوغ عدد من القضاة الديمقراطيين مراحل متأخرة من الشيخوخة، تظهر إمكانية سعي الرئيس ترامب لضمان سيطرة الجمهوريين على المحكمة العليا لعدة أجيال قادمة، الأمر الذي سيمكن الجمهوريين من إعاقة أي برامج مستقبلية لرئيس ديمقراطي تتعلق بإصلاح تشريعي، بغض النظر عن نسب التصويت الشعبي.

تكهن ليفين بأنه مع استمرار التغيرات الديموغرافية الجارية في أمريكا وانخفاض نسبة البيض من أغلبية إلى عرق واحد من عدة أعراق يتكون منها المجتمع الأمريكي، فإن تهميش الملايين من الأمريكيين من سكان الحضر والمطالبات بإجراء إصلاحات دستورية ستصبح أعلى صوتا ومحل اهتمام أكبر في المستقبل. ولكن، يقول ليفين إنه من غير المتوقع أن يتمكن الديمقراطيون تحت قيادتهم الحالية من طرح هذه القضية بشكل فعال.

بسبب توزيع مقاعد مجلس الشيوخ، وأسلوب تنظيم مقاعد مجلس النواب، والجزم بأن المحكمة العليا لن تحرك ساكناً بشأن هذه القضية، فإن مطلب التغيير لا بد أن ينبع من حركة شعبية ضخمة مشابهة لتلك المناهضة للعبودية والحقوق المدنية. فقيادة الديمقراطيين التي أنتجت هيلاري كلينتون تتوخى الحذر الشديد وتتشابك فيها مصالح النخبة الاقتصادية الأمريكية بدرجة قد لا تجعلها راغبة في تبني مثل هذا الإجراء الجذري. ولحسن الحظ فإن برني ساندرز برز في صفوف المستوى الأساسي من الحزب الديمقراطي وأظهر رغبة قوية لانتهاج مسار إصلاحي أكثر جذرية.

ولكن ليفين يحذر من أي تحرك يهدف لإجراء إصلاحات دستورية في إطار حركة مغلفة بالحقوق الديمقراطية للأقليات العرقية، حيث من المؤكد أن يدفع هذا العديد من البيض المعتدلين العاملين إلى صفوف المعارضة الرجعية المحافظة. وهو يستشهد، بدلاً من ذلك، بمواقف فرانكلين روزفلت ومارتن لوثركنغ عندما طالب في السنوات الأخيرة من حملته بتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية لكل الأمريكيين. ودعا ليفين إلى ما اسماه "حركة للإصلاح الديمقراطي، ترتبط بالعدالة الاقتصادية، وتحظى بقبول المهمشين والفقراء في المجتمعات الحضرية من جميع الأعراق والأجناس، وأن يتم الترويج لها على أساس الحاجة لتجديد الديمقراطية الأمريكية تحت شعار الوطنية الأمريكية والصورة القومية الأمريكية أمام العالم". 

يعمل أناتول ليفين كأستاذ جامعي يدرس السياسة الدولية بجامعة جورجتاون في قطر. وقد حصل على درجة البكالوريوس في التاريخ ودرجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة كمبردج. وقبل التحاقه بالعمل الأكاديمي أمضى معظم حياته العملية كمراسل خارجي لصحف بريطانية، ولاحقاً كعضو بمراكز أبحاث في واشنطن العاصمة في الفترة مابين 2007 و 2014 حيث عمل في قسم دراسات الحرب بكلية "كينغز كولدج" في لندن، حيث لايزال أستاذاً زائراً هناك. ومشروع عمله الرئيسي في الوقت الحالي هو كتاب عن تاريخ طائفة البشتون في أفغانستان وباكستان في سياق التاريخ الأوسع والتحليلات النظرية للوطنية المعاصرة (لحساب مطابع جامعة ييل).

من بين الفصول التي يعمل بتدريسها في جامعة جورجتاون في قطر موضوعات قضايا الأمن الدولي؛ السياسة الخارجية الامريكية ؛ الحرب والدبلوماسية في أفغانستان و جنوب آسيا؛ الأنظمة السياسية المقارنة والتاريخ، النظرية ودراسة مقارنة في الوطنية. وهو مؤلف لعدة كتب، من بينها "باكستان: دولة صعبة (2012)؛ أمريكا على صواب أم على خطأ: تشريح للوطنية الأمريكية (الطبعة الثانية 2012)؛ أوكرانيا وروسيا: عداوة أخوية (1999).

كتب المقال جاكي ستاربيرد، مساعدة بمركز الدراسات الدولية والإقليمية لشؤون المطبوعات والمشاريع.