إعادة تقييم رؤية الدولة العربية - مجموعة العمل الأولى

اجتمعت مجموعة العمل التابعة لمركز الدراسات الدولية والإقليمية لمناقشة المبادرة البحثية بعنوان "إعادة تقييم رؤية الدولة العربية" بتاريخ 17 و18 يناير 2016. وقد شارك في هذه الفعالية مجموعة من الباحثين والخبراء الذين يمثلون العديد من المجالات البحثية من بينها الجغرافيا السياسية، والاجتماع، والتاريخ، والعلوم السياسية. وكان الهدف من الاجتماع هو تحديد الأسئلة البحثية الرئيسية بشأن الدور المتنامي للدول العربية في اعقاب انتفاضات عام 2011. وعلى مدار يومين ناقش المشاركون العديد من الموضوعات التي تراوحت ما يبن التعريف، والمفهوم، ونشوء وتطور الدولة العربية، وظائف الدولة، ومؤسساتها، إضافة إلى موضوعات رئيسية مثل استقلال الدولة وسيادتها، والشرعية، والقدرة، والعلاقات بين الدولة والمجتمع، والانخراط السياسي، والعلاقات بين المؤسسات المدنية والعسكرية في أنحاء العالم العربي.

بدأت مجموعة العمل بمناقشة تعريف ومفهوم "الدولة العربية". إن الانتفاضات التي شهدها العالم العربي عام 2011 ، إضافة إلى تفكك العديد من الدول العربية، قد أدت إلى إعادة إحياء الاهتمام البحثي بالأسئلة الاساسية التي تثار حول الدولة في الشرق الأوسط. ومنذ عام 2011، تعرضت العديد من دول المنطقة إلى اضطرابات اجتماعية وسياسية (مصر ولبنان) بينما تفككت دول أخرى بسرعة وتحولت إلى دول "فاشلة" أو "في طور الفشل" (العراق، وسورية، اليمن، وليبيا). وقد ناقش المجتمعون خلال جلسة المجموعة جدوى تصنيف "الدولة العربية" بصورة أساسية، وأشاروا الى الحاجة لمزيد من الاستكشاف لما يصف الدولة ويميزها بالعربية. فهناك افتراض شائع بأن الدولة العربية هي الدولة التي يعرف غالبية سكانها بأنهم عرب ويتحدثون اللغة العربية.

كذلك ناقش المشاركون قضية الشرعية ضمن الدولة العربية، وأشاروا إلى أن تحديد شرعية الدولة أو قياسها ليس دائم الوضوح من قبل الباحثين لمنطقة الشرق الأوسط. كما جرت مناقشات حول إذا ما كانت الدولة نفسها هي التي تضفي الشرعية من خلال الساحة الداخلية، وعبر المجتمع والمواطنة، أو أنها نتيجة لتأكيد الشرعية التي يمنحها إياها المجتمع الدولي والنظام العالمي.

كذلك ركز الحضور على دور القوى الأجنبية عند مناقشة الدولة العربية، آخذين في الاعتبار الدور المحوري الذي قام به اللاعبون الخارجيون أثناء عمليات تشكيل الدولة في الشرق الأوسط خلال القرن الماضي، ولأن العديد من القوى الخارجية لاتزال تمارس نفوذها في المنطقة.

وفي الموقف الراهن، ومع تصاعد النزاعات والحروب، قد تكون هناك احتمالات كامنة لإعادة رسم خريطة المنطقة على نحو غير واضح المعالم بعد. فالحدود المرسومة من قبل القوى الاستعمارية الكبرى قد ظلت راسخة الى درجة تثير الدهشة منذ بدء عصر ما بعد الاستعمار وترتيباته السياسية للشرق الأوسط. وعلى الرغم من ذلك، قام المتحمسون من متخصصي جغرافيا الخرائط والخبراء بشؤون الشرق الأوسط بوضع افتراضات أو تخيلات لإعادة رسم خرائط تصورية للمنطقة، ساعين من وراء ذلك إلى اعطاء تصور لما يمكن ان تبدو عليه المنطقة إذا ما تم إعادة رسم حدودها " بطريقة صحيحة" بناء على أسس تاريخية وانتماءات عرقية، ولغوية.

إلا أن هذه النسخ الابتكارية من البناء الإقليمي للشرق الأوسط قد لا تبدو بعيدة كثيرا عن الواقع في سياق الأوضاع الراهنة. فمع ظهور "داعش" وصعود نجمها واستيلائها على أرض دولتين عربيتين منهكتين، فإن فهم متانة الحدود وتماسك الأراضي، وإدراك ما تعنياه بالنسبة للمواطن، قد أصبح بالغ الأهمية. وقد درس المشاركون بمجموعة العمل إعادة ترسيم الحدود داخل العالم العربي والسياسات المتعلقة بالسيادة والأرض.

إضافة إلى ذلك، فإن البيئة السياسية بعد 2011 قد كشفت عن مظاهر الضعف الرئيسية بالمؤسسات داخل العالم العربي. فقد ضاعفت القيود المفروضة على الحريات السياسية وحرية التعبير، واختلال الأمن الاقتصادي، والفساد المتفشي في مؤسسات الدولة من إخفاق الدول في توفير الخدمات والسلع الأساسية للمواطنين.

ونتيجة لذلك، قامت الحركات المتطرفة مثل داعش بالولوج إلى الساحة السياسية، تحمل معها وعودا بتوفير النظام، والاستقرار، والسلام، والأمن للناس. وأشار أعضاء مجموعة العمل إلى أن معظم القوات الإسلامية المعارضة التي اصطفت في مواجهة أنظمة حاكمة لم تكن تريد إزالة نظام الدولة، ولكنها كانت تسعى إما للسيطرة على الدولة أو تقديم بديل للنظام، وهو نموذج إسلامي للحكم السياسي.

في أعقاب انتفاضات 2011، كان العالم العربي يعاني من اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، وتشوه سريع للدولة في دول مثل اليمن وليبيا والعراق وسورية. وقد كانت احتجاجات 2011 مختلفة عما سبقها: ففي حين كانت الاحتجاجات السابقة تطالب بإصلاح الأنظمة، كانت احتجاجات 2011 تنمو باضطراد من رحم الطبقة الوسطى التي تؤمن تماما بأن العقد الاجتماعي مع الدولة قد تم كسره من قبل الدولة.

حتى الدولة التي شهدت مستويات متواضعة من الاحتجاجات مثل قطر، شعرت بالتهديد بسبب المخاوف من الآثار المعدية للاحتجاجات. وقد درست مجموعة العمل "الفكر السياسي العربي" وارتباطه بالربيع العربي، لمعرفة ما اذا كان المثقفون العرب مرتبطين بشكل عضوي بالتحركات السياسية في الشوارع أو كانوا منفصلين عنها فيما يتعلق بما كان يدور في حينه.

مثلت احتجاجات 2011 حركات شعبية سعت لمقاومة الاستبداد من خلال المطالبة بالعدالة والديمقراطية والمساواة والحقوق لجميع المواطنين. ويتناول الفكر السياسي العربي المعاصر هذه القضايا ويدعو إلى عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمجتمع. ولكن، الحركات الاجتماعية تلاشت تدريجيا على الرغم من حدتها، ولاتزال احتمالات تكرارها غير محددة حتى الآن.

ناقش المشاركون حضور أو غياب "مركز" سياسي قابل للتطبيق في المنطقة العربية. ويرى مايكل هدسون أحد المشاركين في مجموعة العمل، المركز السياسي ككيان يوجد في الوسط بين الحركات الإسلامية المتطرفة من جانب والدول المتسلطة من جانب آخر. وبينما يؤمن بعض الباحثين بأنه لم يكن هناك مركز سياسي في العالم العربي من قبل، يجادل البعض بأن هذا المركز كان يتقلص بسرعة بفعل التسلط وحظر الأحزاب السياسية. وهؤلاء يعتبرون الأسباب تكمن في أنه في أعقاب انتفاضات 2011، تعددت أطراف التطرف، وعليه لم يكن ممكنا إفراز موقف وسط وذلك لوجود أكثر من نقيضين.

علاوة على ذلك، استكشف المشاركون التحولات الجارية في السياسات الاقتصادية في الدولة العربية والتعرض لهزات اقتصادية متكررة منذ انتفاضات 2011 . وقد كانت ردود فعل المواطنين من دول عربية متعددة من التي تعتمد على الاقتصاديات الريعية تجاه الصدوع التي نشأت في أعراف الحكم السائدة في المنطقة. على سبيل المثال، يتطلع المواطنون في دول الخليج إلى الدولة لحماية مصالحهم الاقتصادية في الأوقات الصعبة، بينما في الدول الضعيفة مثل الجزائر وإيران، يلقون باللوم على الدولة لتبرير إخفاقهم. ولكن إذا ما اخذنا في الاعتبار الطبيعة المتغيرة حاليا للدول الريعية، فمن الصعب القول إذا ما كان المواطنون سيواصلون التطلع الى الدولة لحمايتهم.

تاريخياً، لطالما كانت العلاقات بين الدول العربية ومواطنيها متوترة، وخصوصا جماعات الأقليات، التي غالبا لم تؤخذ في الاعتبار كمواطنين على نفس قدر المساواة. لهذا طورت الدول العربية سياسات للمواطنة تمنح الجهاز الحكومي سلطات من ستشمله المواطنة ومن سيتم استبعاده منها. كثيرا ما لجأت دول الخليج إلى أسلوب سحب الجنسية لأغراض سياسية ومؤخرا قرنت سياسات المواطنة بقوانين مكافحة الإرهاب – وهي ظاهرة تؤدي الى وجود فئة ممن لا جنسية لهم وهو أمر لا يقتصر على هذه المنطقة كما يتضح من قوانين مكافحة الإرهاب في كندا وأستراليا.

أضف إلى ذلك مشكلة اللاجئين في منطقة الشرق الأوسط: فهناك عدد كبير من النازحين أو من أصبحوا بدون جنسية لأسباب تتعلق بالاضطرابات السياسية أو تفكك السلطة المركزية في العراق، وسورية، واليمن. ونظراً لعدم وجود الكثير من الدراسات حول قضية المواطنة في تلك المنطقة، فقد اتفق المشاركون في المجموعة على ضرورة بذل مزيد من الجهد لاستكشاف الموضوع بدرجة أعمق كجزء من إعادة تقييم الرؤية للدولة العربية بصورة أوسع.

من بين الموضوعات الأخرى التي طرحت للنقاش كان الطبيعة المتنامية للعلاقات بين المدنيين والعسكريين في المنطقة. عموما، يتم تصميم الجيوش لتوفير الدفاع الوطني. ولكن، الهدف من جيوش الشرق الأوسط غير واضح. وفي الدول الريعية، عادة ما يتم تمويل الجيوش من عائدات النفط، مع تقديم القوى الكبرى للدعم العسكري للدولة. وعلاوة على ذلك، فإن بعض الأنظمة السياسية في العالم العربي لديها نظام عسكري مزدوج - فبالإضافة إلى القوات المسلحة التقليدية، هناك قوات أمن احترافية موازية لها قامت ببسط سيادة الدولة أو الصفوة الحاكمة. وكثيرا ما دعت الحاجة لاستدعاء هذه القوات الأمنية لسحق انتفاضات 2011. ولكن طبيعة انخراط الجيش في تلك التوترات اختلفت من دولة إلى أخرى. ففي تونس كانت الشرطة أقوى بكثير من الجيش، بينما في مصر استمر الجيش في القيام بدور هام بفضل تاريخه الطويل من الانغماس في السياسة.

كذلك قارن المشاركون بين الحركات الإسلامية العابرة للحدود في صورتها الحالية وبين الحركات القومية العروبية خلال عقد الستينيات والسبعينيات، وكلاهما يتحدى المفاهيم الأساسية للدول العربية و وظائفها وشرعيتها. ومع استمرار تعرض هذه الدول لتهديدات لسيادتها وشرعيتها، حاولت أن تجمع قواها وتوحد صفوفها من خلال تشكيل تحالفات مع حماة خارجيين.

وبينما ناقش المشاركون في مجموعة العمل عدة موضوعات تتراوح بين المفاهيم الأساسية، الوظائف، والمؤسسات في الدولة العربية إلى التحديات الرئيسية لشرعيتها وسيادتها بعد انتفاضات 2011، فقد اعترفوا جميعا بوجود فجوات في المواد المتاحة حيث تظهر ضرورة إجراء المزيد من الأبحاث. هذه تتضمن أفكار ومصطلحات ترتبط بمفهوم الدولة العربية، ووضع وتطبيق الحدود السياسية، والايدولوجيات، والخطابات المتعلقة بالدولة، والتفاعل بين الدولة والمواطن، والحفاظ على موازين الحكم السائدة في أعقاب انتفاضات 2011.

كتب المقال عنبرلطفات ( كلية الشؤون الدولية 2016) باحثة متدربة بمركز الدراسات الدولية والإقليمية.